قراءة في كتاب «حرب الخليج.. أوهام القوة والنصر»
بقلم: عمرو صابح

صدر كتاب الأستاذ محمد حسنين هيكل «حرب الخليج.. أوهام القوة والنصر» في عام 1992 عن مركز الأهرام للترجمة والنشر بالقاهرة، في نحو 635 صفحة، ولكنه لم يكن مجرد كتاب عن الغزو العراقي للكويت، ولا مجرد رصد لأحداث «عاصفة الصحراء»، وإنما كان محاولة لقراءة لحظة تاريخية شديدة التعقيد، تزامنت فيها حرب الخليج مع انهيار الاتحاد السوفيتي، وانتهاء الحرب الباردة، وصعود الولايات المتحدة إلى موقع القوة العظمى الوحيدة في العالم.
لذا فإن قراءة الكتاب لا تبدأ في 2 أغسطس 1990، يوم دخل الجيش العراقي الكويت، وإنما تبدأ من أبعد من ذلك بكثير؛ من تاريخ الكويت، ومن علاقتها بالدولة العثمانية، ومن النزاع العراقي القديم حولها، ثم من الحرب العراقية الإيرانية، والنفط والديون، ومجلس التعاون العربي، وقمة بغداد، وصولًا إلى اللحظة التي تحولت فيها أزمة عربية إلى حرب دولية، ثم إلى إعادة تشكيل كاملة للشرق الأوسط.
كانت الكويت تقع داخل الكيان السياسي للدولة العثمانية، كما ارتبطت جغرافيًا وتاريخيًا وإداريًا وسياسيًا بولاية البصرة العراقية.
وتبلور كيان الكويت السياسي في القرن الثامن عشر حول أسرة الصباح.
وازدهرت الكويت باعتبارها ميناءً تجاريًا ومركزًا للنقل البحري وصناعة السفن واستخراج اللؤلؤ والتجارة مع الهند وشرق إفريقيا.
في 23 يناير 1899 عقد الشيخ مبارك الصباح اتفاقًا مع بريطانيا، أصبحت الكويت بموجبه تحت الحماية البريطانية في سياستها الخارجية، مع استمرار الحكم الداخلي لأسرة الصباح.
وقد استندت المطالبات العراقية بالكويت إلى القول إن الكويت كانت تاريخيًا وقانونيًا مرتبطة بولاية البصرة، وإن بريطانيا فصلتها عن العراق بعد الحرب العالمية الأولى.
ثم جاءت الحرب العالمية الأولى وما بعدها لتزيد من تعقيد مسألة الحدود بين العراق والكويت.
وبعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة سنة 1921، ظلت قضية الكويت حاضرة في السياسة العراقية، ثم أصبحت المطالبة بها أكثر وضوحًا في عهد الملك غازي الأول، وشهدت تلك الفترة حملات إعلامية وسياسية عراقية تدعو إلى ضم الكويت.
وفي أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين، اكتُشف النفط في الكويت بكميات كبيرة، فأصبحت الإمارة أكثر أهمية اقتصاديًا واستراتيجيًا.
لكن النفط لم يصنع المطالبة العراقية بالكويت؛ فالمطالبة كانت موجودة قبل اكتشافه، وإن كان النفط قد جعل الكويت أكثر قيمة وأهمية في الحسابات الإقليمية.
وجاءت اللحظة الحاسمة في 19 يونيو 1961، عندما أعلنت الكويت استقلالها عن بريطانيا، وألغت اتفاقية الحماية الموقعة معها عام 1899، لتصبح دولة عربية مستقلة ذات سيادة.
لكن الاستقلال لم يكد يُعلن حتى فجّر رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم أزمة خطيرة؛ ففي 25 يونيو 1961 أعلن أن الكويت جزء من العراق، وطالب بضمها إلى بلاده، مستندًا إلى أن الكويت تشكل جزءًا من ولاية البصرة العراقية.
ومع تصاعد تهديدات قاسم، وجدت الكويت نفسها أمام خطر حقيقي على استقلالها، وطلبت في 30 يونيو 1961 المساعدة العسكرية البريطانية، فدخلت القوات البريطانية الكويت في 1 يوليو لحمايتها من التهديد العراقي.
وفي خضم الأزمة، بعث أمير الكويت الشيخ عبد الله السالم الصباح برسالة إلى الرئيس عبد الناصر، مؤرخة في 9 يوليو 1961، حمل الرسالة إلى القاهرة الشيخ جابر الأحمد الصباح، الذي كان يرأس وفدًا كويتيًا إلى عدد من الدول العربية، وتسلم عبد الناصر الرسالة في 12 يوليو 1961.
وكانت الرسالة بمثابة طلب مباشر للدعم والتعاون المصري في مواجهة أزمة الكويت. فقد عرض أمير الكويت على عبد الناصر تطورات الموقف، وتصريحات عبد الكريم قاسم ومطالبته بضم الكويت، وأوضح أن هذه التطورات دفعت الكويت إلى التحرك على المستويين العربي والدولي، من أجل حماية استقلال الكويت.
قرر عبد الناصر طرح حل عربي يقوم على حماية استقلال الكويت بقوة عربية، بدلًا من القوات البريطانية، بحيث تظل الكويت دولة مستقلة، ولا تُضم إلى العراق، وفي الوقت نفسه لا تعود إلى نظام الحماية البريطانية.
وفي 20 يوليو 1961 قررت جامعة الدول العربية دعم استقلال الكويت وقبول عضويتها، مع العمل على استبدال القوات البريطانية بقوات عربية.
وفي 10 سبتمبر 1961 بدأت القوات العربية التابعة لجامعة الدول العربية في الوصول إلى الكويت، بمشاركة قوات من مصر والسعودية والسودان والأردن وتونس، لتتولى مهمة حماية الكويت بدلًا من القوات البريطانية.
وبدأ الانسحاب البريطاني في 19 سبتمبر، ثم اكتمل خروج جميع القوات البريطانية من الكويت في 19 أكتوبر 1961، لتصبح القوات العربية هي القوة الموجودة على الأرض لحماية استقلال الكويت وسيادتها.
وبذلك انتهت أزمة عام 1961 دون حرب، لكن عبد الكريم قاسم ظل متمسكًا بمطالبته بالكويت ورافضًا الاعتراف باستقلالها.
وبعد سقوط نظام قاسم في فبراير 1963، تغير الموقف العراقي.
وفي 14 مايو 1963 انضمت الكويت إلى الأمم المتحدة كدولة مستقلة ذات سيادة.
ثم جاءت الخطوة الحاسمة في 4 أكتوبر 1963؛ في عهد الرئيس العراقي عبد السلام محمد عارف، ورئاسة أحمد حسن البكر للحكومة، اعترفت الجمهورية العراقية رسميًا باستقلال دولة الكويت وسيادتها الكاملة، بموجب اتفاق وُقّع في بغداد بين البلدين، وأُقيمت العلاقات الدبلوماسية بينهما.
هذا الموقف سيكتسب أهمية خاصة بعد ثلاثة عقود، عندما عادت الكويت مرة أخرى إلى قلب أزمة عربية كبرى.
لكن لفهم العراق الذي دخل الكويت سنة 1990، لا بد من العودة إلى حرب أخرى سبقت ذلك بعقد كامل.
في 22 سبتمبر 1980 اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، بعد سعي الخميني إلى تصدير الثورة الإسلامية إلى العراق، ورغبة صدام حسين في نسف اتفاقية شط العرب.
استمرت الحرب ثماني سنوات، حتى انتهت بقبول إيران وقف إطلاق النار في أغسطس 1988.
كانت تلك الحرب واحدة من أطول وأكثر حروب القرن العشرين دموية، وقد استنزفت البلدين، لكنها تركت العراق في وضع صعب.
فالعراق خرج منها بجيش ضخم وخبرة قتالية واسعة، لكنه خرج أيضًا بديون هائلة واقتصاد مرهق وبنية تحتية تحتاج إلى إعادة إعمار.
وكان صدام حسين ينظر إلى نفسه باعتباره قد خاض حربًا لمصلحة العالم العربي والخليج في مواجهة إيران الثورة.
وخلال الحرب، قدمت دول الخليج، وفي مقدمتها الكويت والسعودية، دعمًا ماليًا كبيرًا للعراق.
لذا نشأت لدى صدام حسين قناعة بأن دول الخليج مدينة للعراق سياسيًا وماليًا، وأن العراق تحمل عبء الحرب في مواجهة إيران.
لكن هذه العلاقة انقلبت بعد انتهاء الحرب.
فالعراق الذي كان ينتظر المساعدة في إعادة بناء اقتصاده وجد نفسه أمام ديون ضخمة، بينما كانت دول الخليج تريد العودة إلى الاستقرار وتقليص الإنفاق.
وبدأ الخلاف يتسع بين العراق والكويت حول الديون، وحول الحدود، وحول الإنتاج النفطي.
وكان حقل الرميلة أحد محاور التوتر، إذ اتهم العراق الكويت بإنتاج النفط من الجزء الجنوبي من الحقل بطريقة اعتبرها سرقة للنفط العراقي.
كما طالب العراق بمميزات تتعلق بالجزر الكويتية بوبيان ووربة.
في 16 فبراير 1989، أي بعد أشهر قليلة من انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، تأسس مجلس التعاون العربي وضَمَّ مصر والعراق والأردن واليمن الشمالي.
كان المشروع يحمل طموحًا أكبر من مجرد التنسيق السياسي.
كان محاولة لبناء إطار عربي للتعاون الاقتصادي والسياسي، في لحظة بدا فيها أن العراق خرج من حربه مع إيران قوة عسكرية كبيرة، وأن مصر استعادت موقعها الطبيعي في النظام العربي، وأن المنطقة تحتاج إلى صيغة جديدة للتعاون بعد سنوات من الانقسام.
وكان يمكن للمجلس أن يتحول إلى أحد أهم التجارب العربية في نهاية الثمانينيات.
لكن عمره كان قصيرًا جدًا بسبب مغامرة صدام حسين بغزو الكويت.
فبعد أقل من عام ونصف، دخل الجيش العراقي الكويت.
وانهار المجلس عمليًا مع اندلاع الأزمة، وتحولت الدول الأربع إلى مواقف متباينة.
دخلت مصر في التحالف الدولي ضد العراق، بينما وقف اليمن والأردن إلى جانب بغداد.
في 28 مايو 1990 انعقدت القمة العربية الاستثنائية في بغداد برئاسة صدام حسين.
كان صدام يرى أن العراق خاض حربًا طويلة دفاعًا عن الخليج في مواجهة إيران، وأن دول الخليج استفادت من تلك الحرب، وبالتالي فإن ديونها للعراق يجب أن تُسقط أو تخفف.
كان العراق بحاجة إلى أسعار نفط مرتفعة حتى يستطيع إعادة بناء اقتصاده وجيشه.
وفي قمة بغداد ظهرت الخلافات بصورة حادة، وتصاعدت لهجة صدام تجاه الكويت والإمارات.
كان انخفاض سعر النفط يعني بالنسبة للعراق خسارة مباشرة في الإيرادات التي يحتاجها لإعادة بناء نفسه بعد الحرب.
ومن هنا جاءت اتهامات صدام حسين للكويت والإمارات بأنهما تنتجان فوق حصص أوبك.
كان صدام يرى أن العراق الذي تحمل الحرب مع إيران أصبح يُعاقب اقتصاديًا بعد أن انتهت الحرب عبر مؤامرة أمريكية تشارك فيها دول الخليج.
وفي الوقت نفسه، كان هناك سياق دولي أوسع يتعلق بالنفط.
فانخفاض أسعار النفط في الثمانينيات أضعف الاقتصاد السوفيتي، وكان النفط أحد عناصر الصراع الاقتصادي في السنوات الأخيرة من الحرب الباردة.
لم يكن النفط مجرد سلعة، وإنما كان أحد أسلحة الصراع الدولي.
انتهت قمة بغداد والخلافات العربية مشتعلة، وبوادر كارثة تلوح في الأفق.
وفي يوليو 1990 اتهم الرئيس العراقي صدام حسين الكويت والإمارات مجددًا بتجاوز حصص أوبك وإغراق الأسواق بالنفط، بما ساهم في خفض الأسعار وحرمان العراق من إيرادات يحتاج إليها بشدة.
ثم حدثت واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في الأيام التي سبقت الغزو العراقي للكويت، وهي لقاء السفيرة الأمريكية في بغداد أبريل جلاسبي بصدام حسين في 25 يوليو 1990.
كان صدام قد بدأ بالفعل في إطلاق تهديدات شديدة اللهجة ضد الكويت، وكانت واشنطن تعرف أن التوتر يتصاعد، وأجرت تحركات عسكرية في الخليج لتحذير العراق من استخدام القوة ضد الكويت.
تحول حديث جلاسبي مع الرئيس صدام حسين لاحقًا إلى واحد من ألغاز الحرب.
فقد قالت السفيرة الأمريكية للرئيس العراقي إن الولايات المتحدة لا تعتبر الخلافات الحدودية بين العراق والكويت شأنًا أمريكيًا، وإن واشنطن لن تتدخل في النزاع العراقي الكويتي.
وجد صدام حسين في حديث السفيرة ما يشجعه على المضي قدمًا في مخططه لغزو الكويت.
بعد ثمانية أيام فقط، وفي 2 أغسطس 1990 دخل الجيش العراقي الكويت.
كان ذلك اليوم نقطة التحول الكبرى.
فما كان يمكن أن يبقى خلافًا عربيًا حول الحدود والديون والنفط تحول فجأة إلى أزمة دولية.
أصدر مجلس الأمن في اليوم نفسه القرار 660، الذي أدان الغزو وطالب العراق بالانسحاب الفوري وغير المشروط.
في قلب الأزمة برز دور الرئيس حسني مبارك، فقد حاول تخفيف التوتر بين العراق والكويت قبيل الغزو العراقي، وبعد اجتياح الجيش العراقي للكويت، سعى إلى منع الأزمة من التحول إلى حرب دولية ضد العراق، وتمسّك بإمكانية الوصول إلى حل يقوم على انسحاب العراق من الكويت. ولذلك كثّف اتصالاته بصدام حسين، فأرسل إليه رسائل ومبعوثين، وأجرى معه اتصالات مباشرة وغير مباشرة، محذرًا من أن استمرار الاحتلال سيغلق تدريجيًا أبواب التسوية السياسية، ويدفع المنطقة نحو مواجهة عسكرية واسعة من شأنها أن تدمر العراق.
لكن صدام حسين أخطأ في قراءة الموقف. فقد بدا مقتنعًا بأن الوقت يعمل لصالحه، وأن الولايات المتحدة لن تخوض حربًا من أجل الكويت، وأن الانقسامات العربية والدولية، فضلًا عن قوة الجيش العراقي والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية للقوى الكبرى، ستجعل الاحتلال أمرًا واقعًا يمكن التفاوض حوله لاحقًا. ومن هنا تعامل مع التحذيرات المصرية والعربية باعتبارها ضغوطًا يمكن احتواؤها بالمفاوضات والمناورات السياسية، لا باعتبارها إنذارًا أخيرًا.
ولمناقشة الغزو العراقي للكويت، انعقدت القمة العربية الطارئة في القاهرة يومي 10 و11 أغسطس 1990 برئاسة حسني مبارك، في ظل انقسام عربي حاد لم تشهده المنطقة منذ سنوات.
وكانت القمة لحظة فارقة؛ لأنها نقلت الموقف العربي من مرحلة الوساطة بين العراق والكويت إلى اتخاذ قرار جماعي تجاه الغزو.
وانتهت القمة إلى إدانة الغزو العراقي للكويت والمطالبة بانسحاب القوات العراقية منها فورًا، والتأكيد على احترام استقلال الكويت وسيادتها ووحدة أراضيها، ورفض أي تغيير للحدود أو ضم الأراضي بالقوة.
كما قررت القمة تشكيل قوة عربية مشتركة للمساهمة في الدفاع عن دول الخليج، وخصوصًا المملكة العربية السعودية، التي أصبحت مهددة مباشرة بعد انتشار القوات العراقية في الكويت.
وكان القرار العربي شديد الأهمية؛ لأنه منح وجود القوات العربية والدولية في الخليج غطاءً عربيًا، وجعل مواجهة الغزو العراقي لا تبدو، في صورتها السياسية، حربًا أمريكية منفردة ضد العراق، وإنما تحركًا يستند إلى قرار عربي وإلى قرارات مجلس الأمن.
لكن القمة كشفت في الوقت نفسه حجم الانقسام العربي؛ فقد صوتت الأغلبية لصالح القرارات، بينما عارضتها دول عربية أخرى أو تحفظت عليها. وكان من أبرز المعارضين الأردن واليمن وليبيا ومنظمة التحرير الفلسطينية.
ثم جاء القرار الأممي رقم 662 في 9 أغسطس ليعلن أن إعلان العراق ضم الكويت باطل ولاغٍ ولا أثر قانونيًا له.
ومنذ تلك اللحظة لم تعد المسألة مجرد أزمة بين العراق والكويت.
لم تواجه الولايات المتحدة العراق وحدها، وإنما نجحت في تشكيل تحالف دولي واسع كان من أكبر التحالفات العسكرية التي عرفها العالم منذ الحرب العالمية الثانية. شاركت في قوات التحالف 34 دولة، وجاءت الولايات المتحدة في القلب منه، إلى جانب بريطانيا وفرنسا وكندا وإيطاليا وأستراليا، كما شاركت دول عربية بقوات عسكرية، في مقدمتها مصر والسعودية وسوريا، بينما قدمت دول أخرى دعمًا لوجستيًا وسياسيًا وماليًا.
تجاوز عدد القوات التي حشدها التحالف في مسرح العمليات نصف مليون جندي، ثم تحولت عملية الدفاع عن السعودية إلى الهجوم لتحرير الكويت مع بدء «عاصفة الصحراء» في 17 يناير 1991.
وهكذا وجد العراق نفسه أمام قوة عسكرية هائلة، لا تتفوق عليه في العدد والتسليح فقط، وإنما تمتلك تفوقًا ساحقًا في الطيران والاستطلاع والأقمار الصناعية والحرب الإلكترونية والاتصالات والأسلحة الذكية.
في يوم 17 يناير 1991 بدأت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الحرب على العراق، والتي امتدت حتى 28 فبراير 1991. خلال تلك الفترة أسقطت الطائرات الأمريكية 88 ألف طن من القنابل على العراق، بما يعادل القوة التفجيرية لسبع قنابل ذرية من طراز قنبلة هيروشيما، أي أن العراق تعرض أثناء الحرب للقصف بقنبلة ذرية كل أسبوع، توزعت على كل مناطق البلاد.
وأطلقت الدبابات الأمريكية ما بين 5000 و6000 قذيفة يورانيوم منضب، كما أسقطت الطائرات الأمريكية الآلاف من قذائف اليورانيوم المنضب على المدن العراقية، وقد تسببت تلك الأسلحة في موت 50 ألف عراقي في الأشهر الثمانية الأولى من عام 1991 نتيجة الإصابة بالأورام المختلفة.
استخدمت القوات الأمريكية قنابل النابالم الحارقة ضد الجنود العراقيين، كما استخدمت قنابل الفوسفور الأبيض الحارقة، واستخدمت القوات الأمريكية بكثافة قنابل «روك آي» التي تحتوي الواحدة منها على 247 قنبلة يدوية، وقد ألقتها بدون تفرقة على المدنيين والعسكريين العراقيين، وقصفت الطائرات الأمريكية المدن العراقية بقنابل تفريغ الهواء التي تحدث مستويات شبه نووية من التدمير، وأسقطت البحرية الأمريكية وحدها أكثر من 4400 قنبلة عنقودية على المدن العراقية، وأسقطت القاذفات الجوية آلاف القنابل العنقودية من طراز «بي إل 755» المصممة لتمزيق أوصال البشر إلى قطع صغيرة.
قامت الطائرات الأمريكية بتدمير كل محطات توليد الكهرباء، ومحطات المياه، ونظام الاتصالات ومحطات التقوية، ومباني الإذاعة والتليفزيون، ومعامل تصنيع الغذاء، ومعامل الحليب والمشروبات، ومواقع الري، ومزارع الحيوانات، ومحطات الحافلات ومحطات القطارات وخطوط السكك الحديد، والجسور والطرق ومعابر الطرق السريعة، وآبار النفط ومصافيه ومنشآت تخزينه، وشبكات المجاري، والمصانع، والكليات والجامعات والمدارس، والمستشفيات، والمساجد والكنائس والمواقع الأثرية، في أكبر جريمة ترتكب في تاريخ الآثار عبر التاريخ، والمصارف، ودور المعوقين، وملاجئ المدنيين، وتم تدمير حوالي 20 ألف وحدة سكنية، حتى المحلات الصغيرة والمطاعم والفنادق والجرارات الزراعية ومعاهد البحوث وسيارات الأجرة لم تسلم من التدمير.
ومن أشهر المآسي قصف ملجأ العامرية في بغداد يوم 13 فبراير 1991، الذي أدى إلى مقتل 408 مدني.
كانت عملية إبادة جماعية ممنهجة، ولا علاقة لها بخروج القوات العراقية من الكويت، كان هدف الساسة الأمريكيين تدمير العراق كدولة وكنظام اجتماعي.
وفي المرحلة الأخيرة من الحرب، يورد هيكل تفصيلًا لافتًا عن اسم عملية الالتفاف البري الواسع الذي نفذته قوات التحالف لدخول الكويت.
فبعد أسابيع من القصف الجوي، بدأت القوات البرية في تنفيذ حركة التفاف ضخمة حول القوات العراقية.
حملت العملية اسم «المجد للعذراء»، وهو اسم شبيه بالحملات الصليبية في القرون الوسطى.
وكانت الفكرة العسكرية تقوم على الالتفاف من الغرب، وتجاوز الخطوط العراقية الأمامية، ثم ضرب القوات العراقية من الخلف.
وكان الجيش العراقي قد تعرض قبل ذلك لتدمير واسع في الاتصالات والإمدادات.
وفي 23 فبراير 1991 تعطلت آخر شبكة رئيسية للاتصالات العراقية مع القيادة العليا في بغداد، فأصبحت القوات الموجودة في الجبهة شبه معزولة.
وفي 24 فبراير 1991 بدأ الهجوم البري.
وفي 26 فبراير 1991 بدأ الانسحاب العراقي الكبير من الكويت، وبدأت القوات العراقية في الفرار من الكويت، بينما تعرضت أرتالها المنسحبة لهجمات عنيفة من قوات التحالف.
وفي 27 فبراير 1991 دخلت قوات التحالف مدينة الكويت، وأُعلن تحرير الكويت.
وفي 28 فبراير 1991 أعلن الرئيس جورج بوش الأب وقف العمليات العسكرية، ودخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لتنتهي العمليات الرئيسية لحرب تحرير الكويت.
ومن أكثر حسابات صدام حسين إثارة للجدل في إدارة الأزمة، محاولته نقل الصراع من قضية احتلال الكويت إلى القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل. كان صدام يبحث عن وسيلة لتفكيك التحالف الدولي والعربي الذي تشكّل ضده، وإعادة تقديم نفسه أمام الرأي العام العربي باعتباره القائد الذي يواجه إسرائيل. ولذلك، عندما بدأت الحرب في يناير 1991، أطلق العراق صواريخ «سكود» على إسرائيل، في محاولة لاستدراجها إلى الرد العسكري.
كان صدام يدرك أن دخول إسرائيل الحرب بصورة مباشرة يمكن أن يغيّر طبيعة المعركة كلها؛ فبدلًا من أن تبقى حربًا لتحرير الكويت، كان من الممكن أن تتحول إلى مواجهة عربية ـ إسرائيلية، وهو ما قد يضعف تماسك التحالف ويحرج الدول العربية المشاركة فيه، وفي مقدمتها مصر وسوريا والسعودية. كما حاول صدام استثمار المشاعر العربية تجاه القضية الفلسطينية، وربطها بمعركته، في محاولة لإقناع الشارع العربي بأن الحرب لم تعد حربًا على الكويت، وإنما مواجهة مع إسرائيل ومن يقف وراءها.
لكن إسرائيل امتنعت عن الرد، رغم سقوط الصواريخ العراقية على تل أبيب. ولم يكن هذا الصمت مجرد قرار عسكري، بل جاء في إطار تفاهم أمريكي ـ إسرائيلي أوسع؛ إذ عمل الرئيس جورج بوش على إقناع القيادة الإسرائيلية بعدم الرد، مؤكدًا أن ضبط النفس الإسرائيلي لن يذهب هدرًا، وأن الولايات المتحدة ستدفع بعد انتهاء الحرب نحو تسوية سياسية جديدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك معالجة الصراع العربي ـ الإسرائيلي والقضية الفلسطينية.
لذا فضّلت الحكومة الإسرائيلية تحمل الضربات العراقية، وعدم منح صدام الفرصة التي كان يبحث عنها لتوسيع الحرب وتحويلها إلى مواجهة عربية ـ إسرائيلية.
كانت حرب الخليج الثانية أكبر بكثير من مجرد تحرير الكويت.
لقد كانت عملية لتحطيم القوة العراقية التي كانت قد أصبحت واحدة من أكبر القوى العسكرية في العالم العربي.
فالجيش العراقي لم يُجبر فقط على الانسحاب.
لقد تعرض لتدمير واسع في الدبابات والمدرعات والمدفعية والطائرات ومراكز القيادة والاتصالات ومخازن الذخيرة ومنشآت الإمداد.
والأهم أن العراق فقد القدرة على استخدام القوة العسكرية التي بناها خلال سنوات الحرب مع إيران كأداة لفرض إرادته الإقليمية.
لذا لم تكن الحرب، في نتائجها، مجرد إخراج الجيش العراقي من الكويت.
لقد أعادت رسم ميزان القوى في الخليج.
ولكن لماذا لم يدخل الأمريكيون بغداد؟
هذا أحد أهم الأسئلة التي يثيرها الكتاب.
إذا كانت القوات الأمريكية وحلفاؤها قد استطاعت تحطيم الجيش العراقي بهذه السرعة، فلماذا توقفت؟
لماذا لم تدخل بغداد؟
لماذا تركت صدام حسين في السلطة؟
الإجابة تكمن في طبيعة الهدف الأمريكي من الحرب في ذلك الوقت.
كان الهدف تحرير الكويت وتحطيم القدرة العسكرية العراقية، وتدمير مقدرات الدولة العراقية، وليس احتلال العراق وإسقاط نظامه، بل ترك هذا النظام كفزاعة لتهديد دول الخليج العربي واستنزافها ماديًا.
خرج العراق من الحرب ضعيفًا ومحاصرًا،
والولايات المتحدة خرجت منها أقوى نفوذًا في الخليج،
ودول الخليج أصبحت أكثر اعتمادًا على الحماية الأمريكية.
وكان العالم نفسه يتغير.
الاتحاد السوفيتي كان ينهار.
الحرب الباردة كانت تقترب من نهايتها.
والولايات المتحدة أصبحت القوة العظمى الوحيدة.
وفي الشرق الأوسط، بدا أن ميزان القوى قد تغير بدوره.
ومن هنا جاءت الخطوة التالية:
السلام.
بعد الحرب، بدأ وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر جولة دبلوماسية واسعة في المنطقة، والتقى الأطراف العربية والإسرائيلية، وحاول استثمار اللحظة الجديدة التي أوجدتها حرب الخليج.
وكانت واشنطن تدرك أن الحرب خلقت وضعًا سياسيًا جديدًا لا ينبغي أن يضيع.
وفي 6 مارس 1991 ألقى الرئيس جورج بوش الأب خطابًا أمام الكونجرس أعلن فيه رؤيته لما بعد حرب الخليج، وتحدث عن نظام جديد في الشرق الأوسط وعن ضرورة الدفع نحو تسوية عربية إسرائيلية.
وهنا جاءت فكرة مؤتمر مدريد للسلام.
في 30 أكتوبر 1991 انعقد مؤتمر مدريد للسلام برعاية أمريكية سوفيتية مشتركة، وشاركت سوريا في المفاوضات بعد انضمامها للتحالف ضد العراق، ودخل الأردن بوفد أردني فلسطيني مشترك، بينما شاركت إسرائيل والفلسطينيون في إطار تفاوضي دولي غير مسبوق.
ومن مدريد انطلقت مفاوضات ثنائية ومتعددة الأطراف شملت المسارات السورية واللبنانية والأردنية الفلسطينية، وأصبحت عملية السلام جزءًا من النظام الإقليمي الجديد.
هنا يصل هيكل إلى السؤال الذي يظل مفتوحًا بعد انتهاء المعارك.
من الذي انتصر؟
عسكريًا، كان انتصار التحالف ساحقًا.
تحررت الكويت.
وانسحب الجيش العراقي.
ودُمرت قوة العراق العسكرية.
وأثبتت الولايات المتحدة تفوقها العسكري وقدرتها على قيادة النظام الدولي الجديد.
لكن إذا انتقلنا من ميدان المعركة إلى ميدان السياسة، يصبح السؤال أكثر تعقيدًا.
فصدام بقي في السلطة.
والعراق لم يستقر.
والعقوبات على العراق استمرت.
والوجود الأمريكي في الخليج أصبح أكثر رسوخًا.
ومن هنا تبدو المفارقة التي يمنحها هيكل عنوان كتابه:
القوة التي ظن صدام حسين أنها تكفي لفرض النصر لم تكفه للحفاظ على الكويت، والنصر العسكري الذي حققته الولايات المتحدة لم يكن كافيًا وحده لصناعة نظام مستقر في الشرق الأوسط.
ولهذا فإن حرب الخليج، في قراءة هيكل، لم تكن نهاية أزمة، وإنما كانت بداية عصر جديد من الأزمات في المنطقة.
