أبناء السلالة.. إياها أحمد الجمال

أبناء السلالة.. إياها أحمد الجمال

هذه السطور لا علاقة لها بالتحقيقات الجارية حول حادث ميناء دمياط، ولا رغبة من ورائها في إثارة الحقد الطبقي، ولا النقمة الاجتماعية، ولا تحريض فئة اجتماعية على فئة أخرى، خاصة بعد استمرار التساؤل حول لماذا يوجد عدم قبول لأصحاب الثروات والأعمال ودومًا تتجه سهام الانتقاد والتهجم نحوهم بغير سبب واضح؟

وما لهذه السطور علاقة به هو تأمل تاريخي واجتماعي، وأيضًا سياسي، لمعادلة العلاقات الاجتماعية في مجتمع ما، وليكن هو المجتمع المصري.

واللقطة الأولى في ذلك التأمل هي مشهد طواقم الخبراء والقباطنة والفنيين والعمال الذين انطلقوا إلى السفن التي استهدفت وإبعادها عن بعضها “التغييز والتخزين”، ثم الإبحار بالمشتعلة إلى خارج الميناء مع استمرار تبريدها، والسعي لإطفاء النيران المشتعلة في السفينة التي كانت تحمل ستين ألف متر مكعب من الغاز المسال، أي حوالي ٢٧٢٧٢ طنًا متريًا، ومعلوم أن المتر المكعب من الغاز المسال يساوي 600 متر من الغاز العادي، يعني أن لكم أن تتخيلوا حجم وفداحة الخطر الذي ركبه هؤلاء المصريون، خاصة إذا علمنا أيضًا أن المتر المكعب من الغاز المسال يحتوي على حوالي 948 إلى 1036 رطلًا، لأنني تذكرت ما كانت تحدثه قنابل الألف رطل في الأرض عندما كان يلقيها الصهاينة في حرب الاستنزاف.

وبحساب الأرطال تكون حمولة السفينة المشتعلة حوالي ستين ألف قنبلة من فئة الألف رطل! مع التنويه إلى أن حساباتي تؤخذ بحذر، لأنني غير متخصص ورجعت بسرعة للشبكة العنكبوتية.

ولنا أن نتخيل حجم الدمار الذي كان يمكن أن يقع في ميناء دمياط والدائرة المحيطة به، بما يذكرنا بأضعاف ما جرى لميناء بيروت.

تأملت المشهد، واستحضرت سلسال المصريين من هذه الفئة الاجتماعية التي تنتمي إلى المستوى المتوسط وما أدنى من المتوسط، فوجدت أن هؤلاء الذين لم نعرف أسماءهم على وجه الدقة، ولم نعرف قراهم أو مدنهم، ولم نعرف وضعهم الأسري من حيث الزواج وعدد الأولاد وعدد من يعولون، ولم نعرف ظروفهم المعيشية ولا المالية؛ هم من السلالة التي خرجت من الحواري والدروب والأزقة لتقاوم الحملة الفرنسية في ثورتي القاهرة الأولى والثانية، والتي خرجت في الثورة التي أتت بمحمد علي ونصبته حاكمًا سنة ١٨٠٥، والتي تحرك بعض أبنائها، بقيادة عرابي لمقاومة الظلم الاجتماعي، والتي كانت جماهير الثورة الكبرى ۱۹۱۹ وسند سعد باشا والوفد.

ومن قبل ذلك السلالة التي حفرت قناة السويس بالفؤوس والمقاطف وهلاهيل الهدوم، وحفرت شبكة الترع والرياحات بالأدوات نفسها، وأقامت جسر أول سكة حديد امتد من إسكندرية إلى كفر الزيات، وبنت القناطر والخزانات والسد العالي.

السلالة التي حشد أبناؤها رغم إرادتهم للحرب مع الحلفاء ومن قبلها للحرب في أمريكا اللاتينية، وخاضت حروب 1948 و1956 و1967 والاستنزاف و1973، وكان منها الشهداء والمصابون.

أي أنها هي السلالة التي بمجرد أن يتعرض الوطن لخطر عاجل أو آجل تندفع بواعز من انتمائها وإيمانها الوطني والعقيدي والإنساني إلى إلقاء نفسها في قلب الخطر، حتى وإن كان جحيم القنابل الألف رطل أو جحيم سفينة تحمل ستين ألف قنبلة ألف رطل! ولا تنتظر جزاء ولا شكورًا، وتجد الحياء والتواضع يطل ويشع من ملامح وجوهها إذا نالها شيء من التكريم المعنوي.

وهنا، وبالطبع قد يتوقع البعض أن أوجه سهام الانتقاد والتهجم إلى الفئة الميسورة وفائقة اليسر، لأنها لم تلق بنفسها في أي جحيم، وأنا لن أفعل ذلك، ولكن سأتساءل: متى وكيف وأين حدث أن احتاج الوطن من المليارديرات أن يساندوه في تنفيذ خططه التنموية وهيلاهوب اجتمعوا وقرروا أنهم لن يخرجوا من مكان اجتماعهم إلا ومعهم برنامجهم لمساندة الوطن في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية.. يعني لو الوطن مزنوق في تمويل.. أو مزنوق في تدبير مدارس وفصول ومعامل ومكتبات، أو مزنوق في إنشاء مسارح وسينما أو مزنوق في إنشاء وتطوير مستشفيات ومستوصفات، أو مزنوق في مراكز بحث علمي وتكنولوجي أو غير ذلك فإنهم جاهزون! لیس كجاهزية أبناء السلالة التي أشرت إليها لإلقاء أنفسهم في جحيم التحديات الخطيرة، ولكن جاهزية لا تعرضهم ولا أسرهم للخطر، وكل ما فيها هو جهد منظم منها لمساندة المحروسة.. وللأسف والأسى معًا فإن تاريخ علاقة الميسورين وفائقي اليسر بما أطرحه علاقة مخزية أو على الأقل غير مرضية.

ومن المفارقات المحزنة أن السلالة الأولى، التي حفرت وبنت وحاربت وتحملت هي من كانت تصاب بالأمراض المتوطنة كالبلهارسيا والأنكلستوما والإسكارس والجرب والقراع والتهاب الكبد وفشل الكلى والسرطانات وهي تخدم في أراضي الوسايا والتفاتيش وعزب الباشاوات والبهوات ومنازلهم وإسطبلاتهم، فيما الأصحاء من أبنائها يوجهون للخدمة العسكرية الإجبارية أو للسخرة في المشاريع إياها.

إنني لا أنادي بأن يترك أهل اليسر الفائق منتجعاتهم وأعمالهم ليذهبوا إلى الموانئ وغيرها لحمايتها، وكل ما يراد منهم هو أن يبادروا لمساندة الوطن ولبعض التضحية من أجله بأموالهم وإمكاناتهم إذا كان الوطن بحاجة إلى ذلك!

Scroll to Top