من خزان أسوان إلى السد العالي..
كيف بنى شماشرجية الملكية تاريخًا من الوهم؟
بقلم: عمرو صابح
من عجائب شماشرجية العهد الملكي الذين يعيشون على تزييف الحقائق ويبيعون الوهم للجهلاء باعتباره تاريخًا، أن يصل بهم العبث إلى اختراع إنجازات لم تحدث، فيزعم بعضهم أن الملك فاروق هو الذي بنى السد العالي!
وكأن التاريخ يمكن تزويره بمجرد ترديد الحكاية نفسها ألف مرة.
والحقيقة أبسط من كل هذا العبث.
خزان أسوان بناه الإنجليز في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني من أجل توفير المياه لمشاريعهم لزراعة القطن المصري؛ بدأ إنشاء خزان أسوان عام 1898، واكتمل عام 1902، ثم جرى تعليته مرتين، عامي 1912 و1933.
أما السد العالي فهو مشروع مختلف تمامًا من حيث الحجم والوظيفة والتصميم والتكلفة والتأثير على حياة مصر.
وكانت فكرة استغلال مياه خزان أسوان في توليد الكهرباء مطروحة قبل ثورة 23 يوليو، لكن تنفيذ محطة كهرباء الخزان تأخر حتى عام 1956 بسبب رفض الإنجليز ورغبتهم في أن يستمر الخزان كمشروع مائي فقط.
أمر الرئيس جمال عبد الناصر بتنفيذ مشروع كهربة خزان أسوان، وفي 10 يناير 1960 بدأ تشغيل الوحدة الأولى لمحطة كهرباء خزان أسوان، واكتمل تشغيل المحطة في أوائل عام 1961.
أي أن كهربة خزان أسوان تحققت في عهد جمال عبد الناصر، وليس في عهد الملك فاروق.
كيف بدأت فكرة السد العالي؟
بعد ثورة 23 يوليو 1952، بدأ التفكير الجدي في إنشاء سد ضخم عند أسوان، يستطيع تخزين مياه الفيضان، وتوليد الكهرباء، وتنظيم الري، وحماية مصر من أخطار الفيضانات والجفاف.
وكان للمهندس المصري من أصل يوناني، أدريان دانينوس، دور مهم في طرح فكرة السد العالي؛ فقد عرض فكرته قبل ثورة يوليو، عام 1948، ولم تلقَ قبولًا في ذلك الوقت من الملك فاروق.
وبعد قيام الثورة، أعاد عرضها على مجلس قيادة الثورة عام 1952، فتم تبني الفكرة، وبدأت الدراسات الرسمية للمشروع في 18 أكتوبر 1952.
وفي أوائل عام 1954، تقدمت شركتان هندسيتان ألمانيتان بتصميم للمشروع، ثم قامت لجنة دولية بمراجعة التصميم وأقرته في ديسمبر من العام نفسه، مع وضع المواصفات وشروط التنفيذ.
أي أن مشروع السد العالي لم يكن مشروعًا ظهر فجأة عام 1956، وإنما كان مشروعًا جرى بحثه وتصميمه ودراسته خلال السنوات الأولى بعد الثورة.
لكن المشكلة الأكبر لم تكن هندسية فقط.
كانت المشكلة: من سيموّل المشروع؟
كان السد العالي مشروعًا هائلًا بالنسبة إلى إمكانات مصر الاقتصادية في ذلك الوقت، ولذلك سعت الحكومة المصرية إلى الحصول على تمويل خارجي.
وتوجهت مصر إلى البنك الدولي، الذي درس المشروع وأقر جدواه الفنية والاقتصادية. وفي ديسمبر 1955، قدم البنك عرضًا للمساهمة في تمويل المشروع بما يعادل ربع تكاليف إنشاء السد.
وكان العرض الأمريكي والبريطاني، بالتعاون مع البنك الدولي، قد قُدم في 16 ديسمبر 1955، وكانت المفاوضات مستمرة خلال النصف الأول من عام 1956.
وكانت القاهرة تريد تمويلًا يسمح لها بتنفيذ المشروع دون أن يتحول التمويل الأجنبي إلى أداة لفرض وصاية سياسية أو اقتصادية عليها.
وهنا دخل السد العالي في قلب صراع الحرب الباردة.
كانت مصر قد اتجهت إلى سياسة خارجية مستقلة، ورفضت الانضمام إلى الأحلاف العسكرية الغربية، كما عقدت صفقة الأسلحة التشيكية عام 1955، واعترفت بالصين الشعبية، وبدأت تتعامل مع الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية.
وكانت بريطانيا والولايات المتحدة تنظران بقلق متزايد إلى توسع العلاقات المصرية السوفيتية.
وفي 19 يوليو 1956، أبلغ وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس السفير المصري بأن الولايات المتحدة لن تمضي في تمويل المشروع في ذلك الوقت. وكانت الإدارة الأمريكية قد بررت قرارها بعدة عوامل اقتصادية وسياسية، من بينها تراجع قدرة مصر المالية، ومسألة مياه النيل، وتطور علاقاتها مع الكتلة السوفيتية.
وبانسحاب الولايات المتحدة، انهارت ترتيبات التمويل الغربي، وسحب البنك الدولي عرضه في اليوم نفسه، ثم تراجعت بريطانيا عن المشاركة.
وهكذا وجدت مصر نفسها أمام مشروع قومي عملاق، جرى الاعتراف بجدواه الفنية والاقتصادية، لكنها فقدت التمويل الغربي الذي كان يفترض أن يساعدها على تنفيذه.
من رفض التمويل إلى تأميم القناة
في 26 يوليو 1956، وقف جمال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية، وأعلن تأميم شركة قناة السويس.
لم يكن التأميم قرارًا منفصلًا عن معركة السد العالي؛ فقد أعلن عبد الناصر أن عائدات القناة ستستخدم في تمويل بناء السد بعد سحب التمويل الغربي.
وتحولت معركة السد العالي من معركة تمويل إلى معركة سيادة وطنية.
ثم جاء العدوان الثلاثي على مصر في أكتوبر 1956، في محاولة لإجبار مصر على التراجع عن تأميم القناة وإسقاط مشروعها السياسي.
لكن العدوان فشل، ولم تتراجع مصر عن التأميم.
التمويل السوفيتي وبداية التنفيذ
بعد فشل ترتيبات التمويل الغربية، اتجهت مصر إلى الاتحاد السوفيتي.
وفي 27 ديسمبر 1958، وُقعت اتفاقية بين مصر والاتحاد السوفيتي لإقراض مصر 400 مليون روبل لتنفيذ المرحلة الأولى من السد. وفي مايو 1959، قام الخبراء السوفييت بمراجعة تصميمات المشروع، واقترحوا بعض التعديلات الفنية.
وفي 27 أغسطس 1960، وُقعت اتفاقية ثانية حصلت مصر بموجبها على 500 مليون روبل إضافية لتمويل المرحلة الثانية.
وهنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة:
الاتحاد السوفيتي لم «يبنِ السد وحده»، بمعنى أن مصر لم تدفع شيئًا ولم تشارك في المشروع.
السد كان مشروعًا مصريًا، نفذته الدولة المصرية بمشاركة آلاف المهندسين والفنيين والعمال المصريين، مع الاستعانة بالتمويل والخبرة والمعدات السوفيتية.
وفي ديسمبر 1959، وقعت مصر والسودان اتفاقية توزيع مياه خزان السد، ثم جاءت اللحظة الحاسمة.
في 9 يناير 1960، وضع جمال عبد الناصر حجر أساس السد العالي، وبدأ التنفيذ الفعلي للمرحلة الأولى، بما شمل حفر قناة التحويل والأنفاق وتبطينها بالخرسانة المسلحة، وصب أساسات محطة الكهرباء، وبناء جسم السد حتى منسوب 130 مترًا.
وهكذا بدأ العمل الحقيقي في المشروع.
لم يكن بناء السد العالي مجرد صب خرسانة أو إقامة حاجز أمام النيل.
كانت عملية هندسية ضخمة تضمنت تحويل مجرى النهر، وحفر قناة التحويل والأنفاق، وإنشاء جسم السد، وبناء محطة الكهرباء، وتركيب التوربينات، وإنشاء محطات المحولات وخطوط نقل الكهرباء.
وفي منتصف مايو 1964، جرى تحويل مياه النيل إلى قناة التحويل والأنفاق، وإغلاق المجرى الأصلي للنهر، وبدأ تخزين المياه خلف السد.
وفي أكتوبر 1967، خرجت أول شرارة كهرباء من محطة كهرباء السد العالي.
ومنذ عام 1968، بدأ التخزين الكامل للمياه أمام السد، بينما اكتمل صرح المشروع في منتصف يوليو 1970، وأعلن الرئيس جمال عبد الناصر عن اكتمال مشروع السد العالي في 23 يوليو 1970.
لكن الرجل الذي قاد معركة إنشائه وتمويله لم يعش طويلًا ليرى افتتاحه الرسمي؛ فقد توفي في 28 سبتمبر 1970.
تم اختيار يوم ميلاد جمال عبد الناصر لكي يكون يوم افتتاح السد العالي، وفي 15 يناير 1971، افتُتح السد العالي بحضور الرئيس أنور السادات والرئيس السوفيتي بودجورني وخالد جمال عبد الناصر.
ماذا أعطى السد العالي لمصر؟
قيمة السد العالي لا تختصر في جسم السد أو محطة الكهرباء.
لقد أعاد السد صياغة علاقة مصر بنهر النيل.
فبدلًا من أن تظل مصر رهينة للتفاوت الكبير بين فيضانات النيل وسنوات شح الإيراد، أصبح لديها مخزون مائي استراتيجي ضخم خلف السد.
وتبلغ السعة التخزينية القصوى لبحيرة ناصر نحو 169 مليار متر مكعب، بينما يبلغ طول البحيرة نحو 500 كيلومتر، ومتوسط عرضها نحو 12 كيلومترًا.
وأثبتت السنوات التالية أن السد لم يكن مجرد مشروع للتنمية، وإنما كان أيضًا مشروعًا للأمن القومي.
فخلال سنوات الجفاف وشح الإيراد بين 1979 و1987، سُحب ما يقرب من 70 مليار متر مكعب من مخزون بحيرة ناصر لتعويض النقص في الإيراد الطبيعي لنهر النيل، الأمر الذي ساعد مصر على تجاوز فترة جفاف قاسية دون انهيار منظومتها الزراعية والمائية.
وفي الاتجاه المقابل، واجه السد الفيضانات العالية التي شهدها حوض النيل بين عامي 1998 و2002، وحجز كميات ضخمة من المياه كان اندفاعها إلى الوادي والدلتا سيشكل خطرًا بالغًا.
كما ساهم المشروع في تحويل مساحات واسعة من الري الحوضي إلى الري المستديم، وزيادة الرقعة الزراعية أكثر من مليوني فدان، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتحسين الملاحة النهرية، وزيادة الثروة السمكية في بحيرة ناصر، إلى جانب توفير الكهرباء للصناعة والمدن والقرى.
بدأت محطة كهرباء السد العالي إنتاج الكهرباء في أكتوبر 1967 بتشغيل أولى وحداتها، ثم دخلت الوحدات تباعًا حتى اكتمل تشغيل المحطة عام 1970 بـ12 توربينة، بإجمالي قدرة مركبة بلغت 2.1 جيجاوات، بواقع 175 ميجاوات لكل توربينة. ومنذ ذلك الوقت واصلت المحطة إنتاج الكهرباء على مدار نحو ستة عقود، مع أعمال تحديث وإحلال وإطالة للعمر التشغيلي لوحداتها، ويبلغ إنتاجها التصميمي نحو 10 مليارات كيلووات/ساعة سنويًا، أي ما يعادل 10 تيراوات/ساعة سنويًا، مع اختلاف الإنتاج الفعلي من عام إلى آخر وفقًا للتصرفات المائية وظروف التشغيل. وحتى عام 2026 تظل محطة السد العالي، بقدرتها المركبة البالغة 2.1 جيجاوات، واحدة من أهم منشآت توليد الكهرباء الكهرومائية في مصر.
السد العالي في مواجهة أزمة سد النهضة
وهنا تظهر أهمية السد العالي في أزمة سد النهضة.
السد العالي لا يستطيع أن يمنع قيام سد النهضة، ولا يستطيع أن يلغي آثاره المائية، لكنه يمنح مصر مخزونًا مائيًا استراتيجيًا يمكن استخدامه للتعامل مع انخفاض الإيرادات المائية خلال فترات الجفاف وملء وتشغيل سد النهضة.
كلما كان مخزون بحيرة ناصر مرتفعًا، امتلكت مصر هامشًا أكبر للمناورة في مواجهة سنوات الشح المائي، مع بقاء هذا الهامش مرتبطًا بحجم العجز المائي ومدته وقواعد تشغيل السدود.
ولذا فإن أهمية السد العالي ما زالت من أهم ركائز الأمن المائي المصري.
فالمشروع الذي كان هدفه في خمسينيات القرن الماضي السيطرة على الفيضان وتوفير مياه الري والكهرباء، أصبح اليوم أيضًا جزءًا من أدوات مصر للتعامل مع تحديات مائية جديدة لم تكن موجودة بهذه الصورة عندما بدأ بناؤه.
لذا، قبل أن يأتي أحد شماشرجية الملكية من مزوري التاريخ ليخبرنا أن فاروق بنى السد العالي، عليه أولًا أن يتعلم الفرق بين خزان أسوان والسد العالي، وبين مشروع هندسي قديم ومشروع قومي عملاق وُلد في خمسينيات القرن العشرين، وخاضت مصر من أجله معركة تمويل وسيادة انتهت بتأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي، ثم الاعتماد على التمويل السوفيتي.
أما الأساطير التي يصنعها شماشرجية الملكية فمكانها سلال القمامة، لا كتب التاريخ.
- الصورة للملك فاروق الأول والأخير، وهو يشاهد مجسمًا لخزان أسوان.
المراجع
وزارة الموارد المائية والري المصرية، السد العالي وخزان أسوان
الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، السد العالي
محمد حسنين هيكل، ملفات السويس: حرب الثلاثين سنة، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1986
محمود فوزي، حرب السويس 1956، ترجمة مختار الجمال، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى، 1987
Talaat El-Gamal and N. Zaki, “Egyptian Irrigation After the Aswan High Dam,” in Irrigated Agriculture in Egypt: Past, Present and Future, Springer, 2017, pp. 47–79
Asit K. Biswas, “Lake Nasser: Alleviating the Impacts of Climate Fluctuations and Change,” in Increasing Resilience to Climate Variability and Change: The Roles of Infrastructure and Governance in the Context of Adaptation, Springer, 2017, pp. 233–250
Ashok Swain, “Ethiopia, the Sudan, and Egypt: The Nile River Dispute,” The Journal of Modern African Studies, Vol. 35, No. 4, 1997, pp. 675–694
U.S. Department of State, Foreign Relations of the United States, 1955–1957, Volume XV: Arab-Israeli Dispute، وثائق المفاوضات الأمريكية والبريطانية والمصرية حول تمويل السد العالي وقرار سحب الدعم الأمريكي
