الطریق إلى ھزیمة یونیو 1967

الطریق إلى ھزیمة یونیو 1967

حلف الأطلنطي وراء ضرب عبد الناصر ومحاولة تصفیته.

بقلم د: رءوف عباس

إن ما حدث فى5 یونیو 1967 من هزیمة مشینة للعرب أتاحت للكیان الصهیوني فرصة احتلال كامل

التراب الفلسطینى إضافة إلى سیناء والجولان، كان نقطة تحول فى تاریخ أمتنا العربیة، تحولت بموجبه

إسرائیل إلى قوة إقلیمیة كبرى وتكرس دورها كقاعدة لحمایة مصالح الغرب فى الشرق الأوسط. وطویت

صفحة التیار القومي العربي.

فانحسر على هامش المسرح السیاسى بعد أن كان یتصدره، أو قل إن شئت انحسر دور مصر الإقلیمى،

فانكفأت على نفسها داخل حدودها تسعى للم شعث قواتها المسلحة، واعادة بنائها لتحرر سیناء، وتبحث

لنفسها عن دور جدید یتناسب مع عملیة ”التحجیم“ التى فرضتها علیها هزیمة 1967 .

ولا یعنى ذلك أن إسرائیل استطاعت وحدها أن تصفى الدور الإقلیمى لمصر لصالحها، ولكنها كانت

رأس الحربة للغرب فى مشروع التصفیة الذى بدأ التخطیط له فى شتاء 1964 فى اجتماع عقده حلف

الأطلنطى خصیصا بناء على طلب تركیا لوضع حد للمتاعب التى یثیرها عبد الناصر فى منطقة الشرق

الأوسط ضد مصالح الغرب ولذلك كانت ورقة العمل الرئیسیة المقدمة للاجتماع من إعداد وزیر الخارجیة

التركى وتحمل عنوان ”تصفیة عبد الناصر“.

مصر وزعامة عبد الناصر

بعد مقدمة طویلة شرح فیها الجانب التركى الدور المشاكس لمصالح الغرب الذى لعبته مصر بزعامة عبد

الناصر منذ قیام الثورة وخاصة تحریضها لشعوب المنطقة ضد السیطرة الغربیة ومقاومتها لسیاسة

الأحلاف، ثم تبنیها لحركة القومیة العربیة التى اشتد عودها بعد كسب عبد الناصر سیاسیا من وراء

حرب السویس1956 ،وما كان من قیام الوحدة بین مصر وسوریا التي قلبت الموازین الإستراتیجیة فى

منطقة الشرق الأوسط، ورغم ضرب الوحدة، نجح عبد الناصر فى أن یمد نفوذه ووجوده الاستراتیجى

إلى الیمن بمناصرته لثورتها وتدخله العسكرى هناك. وبذلك یضع عبد الناصر الغرب تحت رحمته،

فهو یسیطر على قناة السویس وعلى البحر الأحمر، ومن ثم یتحكم فى الطریق البحرى الذى ینقل عبره

البترول إلى الغرب، كما أن وجوده فى الیمن یجعله المتحكم الفعلى فى مناطق إنتاج البترول لو ترك له

الحبل على غاربة، فهو یستطیع أن یلحق ضررا كبیرا بالمصالح الغربیة فى المنطقة وخاصة أن لمصر

علاقات وثیقة مع الاتحاد السوفییتي.

ومضت ورقة العمل التركیة تحدد الأطراف العربیة التى تخشى على وجودها من اتساع مساحة الدور

الإقلیمى لمصر بز عامة عبد الناصر، فذكر الأردن والسعودیة ولیبیا، كما لفت النظر إلى توتر العلاقات

العراقیة المصریة، والسوریة – المصریة، ومن ثم فإن الوقت ملائم لتوجیه ضربة بجلاء عبد الناصر

تقابل بالتأیید من البلاد العربیة فى المنطقة.

أما خطر عبد الناصر على المصالح الغربیة فى أفریقیا فلا حاجة لتأكیده فضلا عن تدخله غیر المعلن

فى عدن وجنوب الجزیرة العربیة والخلیج.

وانتهت ورقة العمل التركیة باقتراح خطة للتخلص من عبد الناصر عن طریق تحویل الوجود المصرى فى

الیمن إلى مستنقع یصعب الخروج منه طوعا، واتخاذه سبیلا لاستنزاف قوة مصر العسكریة واقتصادها

الوطنى، یلى ذلك مساعدة إسرائیل على القیام بعمل عسكرى كبیر موجه ضد مصر فى الوقت المناسب

الذى یحدد على ضوء استنزاف القوة المصریة العسكریة والاقتصادیة فى الیمن.

وثائق حلف الأطلنطى

وقد عقد مجلس حلف الأطلنطى ثلاث جلسات لمناقشة ورقة العمل التركیة، أطلعت على محضر

الجلسة الأولى منها فى النسخة البریطانیة من وثائق الاجتماع، أما الجلستین الأخریین فلن یسمح

بالإطلاع علیهما ألا بعد مرور خمسین عاما ”أى عام 2014 .”

وفى الجلسة الأولى ”المتاح الإطلاع علیها“ عارضت كل من الیونان وا ٕ یطالیا ما ذهب إلیه الجانب

التركى من أن عبد الناصر قد بلغ من الخطر حدا كبیرا على مصالح الشعوب یتطلب تصفیته بل ذهب

الجانب الیونانى إلى حد استنكار اتهام عبد الناصر بالعمل فى الشرق الأوسط لصالح السوفییت، وأكد

أن عبد الناصر حریص على استقلال بلاده وأنه ربما یكون قد تجاوز الخط الأحمر بتدخله فى الیمن،

ولكن هذا التدخل مؤقت، بل إن زعامة عبد الناصر تشكل عنصر استقرار سیاسى فى المنطقة وأكد

الجانب الإیطالى أن سیاسة عبد الناصر تجاه الغرب تتسم بالاعتدال، وأن سیاسة مصر الخارجیة

متوازنة فیما یتصل بالعلاقة مع كل من الغرب والاتحاد السوفییتى، أما الجانب الفرنسى فطالب بعدم

التسرع فى استخلاص النتائج قبل دراسة الوضع دراسة متأنیة لأنه یرى أن المخاوف التركیة لا تخلو من

مبالغة لا مبرر لها.

تصفیة عبد الناصر

ونحن لا ندرى ما تم التوصل إلیه فى الجلستین التالیتین اللتین تدخلان فى نطاق السریة، ولكننا نعتقد

أن فیهما تحدیدا أكثر وضوحا لما استقر علیه الرأى بالنسبة لخطة ”تصفیة عبد الناصر“ ولا ندرى ما إذا

كان جمیع المشاركین فى الاجتماع على علم بها، فذلك ما سنعرفه تماما عند الكشف عن الوثائق

الخاصة بالجلستین، ولعل ما تمتاز به النسخة البریطانیة من وثائق الأطلنطى اشتمالها على المشاورات

الجانبیة مع الجانب الأمریكى، واستطلاع أراء أصدقائها وحلفائها بالمنطقة ومن بینهم الملك حسین.

لعل ما جاء بملفى الجلستین من اتفاقات جانبیة یتضمن سیناریو ما حدث فى 5 یونیو 1967 ،خاصة

أن بریطانیا كانت تواقة إلى الثأر من عبد الناصر لما لحق بها وبهیبتها فى المنطقة والعالم بعد فشلها فى

تحقیق أهداف حرب السویس 1956 .

ودلیلنا على ذلك التصعید المستمر للموقف ضد الوجود المصرى فى الیمن منذ 1964 واستخدام المرتزقة

من مختلف الجنسیات الأوربیة، وعملیات نقل السلاح إلى الیمن التى فضحها الطیارون العرب،

والانقسام الذى حدث بین قیادات الثورة الیمنیة ذاتها، كل ذلك یبین بوضوح أن اقتراح تحویل الیمن إلى

مستنقع یصعب الخروج منه بسلام یستهدف استنزاف قوة مصر العسكریة والاقتصادیة قد تحقق بالفعل

على مدى السنوات الثلاث 64 -1967 .

كذلك یتضح دور إسرائیل فى التحرش بمصر فى الإعلان عن مشروع تحویل مجرى نهر الأردن. بما

ترتب علیه من تصعید مستمر للتوتر، حاول عبد الناصر احتواءه عن طریق مؤتمرات القمة. فلم یكن

الدخول فى حرب ضد إسرائیل، یوما ما على جدول أعمال عبد الناصر، بل صرح ذات مرة فى خطاب

علنى أنه لیس مستعدا فى الدخول فى حرب ضد إسرائیل إذا سعت لجرنا إلیها، ومن ثم كان التصعید

الإسرائیلى للموقف له دلالته باعتباره من المقترحات الأساسیة التى أوردها الجانب التركى فى خطة

”تصفیة عبد الناصر“ التى عرضت على الاجتماع الوزارى لمجلس حلف الأطلنطى.

دلیل أخر على تركیز الاتفاق على اتخاذ إسرائیل رأس حربة لتنفیذ مخطط الغرب، الاتفاق الذى أبرمه

رئیس الوزراء الإسرائیلى أشكول مع الرئیس الأمریكي “جونسون” الذى وافق الأخیر بموجبه على تزوید

إسرائیل بأسلحة تتضمن تفوقها على الدول الأربع المحیطة بها “مصر وسوریا ولبنان والأردن” بنسبة

ثلاثة أضعاف التسلیح العربى، بعد أن كان الخط الثابت فى السیاسة الأمریكیة تحقیق توازن بین قوة

إسرائیل العسكریة وجیر انها العرب، وأعلن “أشكول” فى مؤتمر صحفى أثناء الزیارة أن إسرائیل ترید أن

تتوسع لتوفر مكانا لكل یهودى فى العالم حتى لو كان لا ینوى الهجرة إلیها حالیا، وكان هذا استفزازا

علنیا واضحا.

وفي غضون تلك الأیام اتخذ الكونجرس قرارا فى 26 ینایر 1965 بوقف مبیعات القمح الأمریكى إلى

مصر خدمة لهدف الاستنزاف الاقتصادى لمصر، لأن البدیل الوحید أمام الحكومة المصریة هو شراء

حاجة البلاد من القمح من السوق العالمیة بأسعار السوق، بینما كانت مبیعات القمح الأمریكى تتضمن

تسهیلات إیجابیة لصالح مصر، فكان إیقاف مبیعات القمح الأمریكى لمصر ضربا من الضغط لزیادة

الأوضاع الاقتصادیة حدة فى الوقت الذى ازداد فیه الإنفاق على القوات المصریة فى الیمن زیادة مطردة.

كذلك قدمت ألمانیا الغربیة لإسرائیل فى الأسبوع الأخیر من دیسمبر 1964 صفقة ضخمة من السلاح

تضمنت مدرعات وطائرات ومدافع وقطع بحریة قیمتها مائة ملیون دولار هدیة دون مقابل، وكان ذلك

بإیحاء من الولایات المتحدة الأمریكیة وتحت رعایتها، مما فجر أزمة فى العلاقات المصریة – الألمانیة

كانت على درجة كبیرة من الحدة ولكن دلالة ذلك تعجل الولایات المتحدة لتحقیق التفوق العسكرى

الإسرائیلى الساحق تمهیدا لقیام إسرائیل بلعب الدور الأخیر فى خطة ”تصفیة عبد الناصر“ أو تصفیة

الدور الإقلیمى لمصر وتحقیق الحلم الصهیوني – الأمریكي.

وفى تاریخ معاصر لذلك التاریخ تقریبا بدأت إسرائیل دخول النادى النووى ببناء مفاعل ”دیمونة“ وبذلك

حسم التفوق العسكرى الإقلیمي لصالحها، ولم یبق إلا الحصول على شهادة اعتراف بذلك على طریق

شن حرب تلحق هزیمة مهینة بالعرب.

كانت المذكرة أو ورقة العمل التركیة التي قدمت للمجلس الوزارى لحلف الأطلنطى فى شتاء 1964 ،ترى

أن نجاح إسرائیل فى إلحاق هزیمة بالعرب أو احتلال أرض عربیة، سوف یكشف ظهر عبد الناصر،

ویقضي على شعبیته، ویدفعه إلى ترك منصبة أو یقوم البعض بإسقاطه، ولكن لم یدر بخلد وزیر

خارجیة تركیا الذي صاغ الورقة أن الهزیمة التي ستلحق بالعرب ستكون بالحجم الذى كانت علیه فى

یونیو 1967 ،وا ٕ ذا لم تكن الهزیمة قد حققت هدف التخلص من عبد الناصر بسبب تمسك الجماهیر به،

فقد حققت الهزیمة الهدف الاستراتیجى الذي سعى إلیه الغرب وهو تحجیم مصر، وتصفیة دورها

الإقلیمى.

ولا یعنى نجاح خطة ”تصفیة عبد الناصر“ أن نحمل أصحابها وحدهم وزر هزیمتنا فى یونیو 1967 ،

فلاشك أن عوامل داخلیة كثیرة لعبت دورها الایجابى فى مساعدة الغرب على التخلص من دور مصر

الإقلیمى لتعید ترتیب أولویاتها الإستراتیجیة فى منطقة الشرق الأوسط فى مرحلة لها طابعها الخاص من

مراحل حقبة الحرب الباردة.

ولعل ما یدعم ما نذهب إلیه من أن هزیمة یونیو 1967 ،تم إخراجها على ید حلف الأطلنطى كفكرة ثم

تبنتها الولایات المتحدة ولعبت دور المنتج لها بالتحالف مع إسرائیل وتركیا ”صاحب المشروع“، و كان

من الطبیعى أن تطلع علیها بعض أصدقائها العرب الذین یهمهم التخلص من كابوس عبد الناصر، لعل

ما یدعم ذلك كله ما ذكره محمد حسنین هیكل فى كتابه ”الانفجار 1967 ”من أن الصحفى البریطانى

”انتونى بیرسوف“ الذى كان یعد دراسة عن حادث سفینة التجسس الأمریكیة ”لیبرتى“ التى أغرقها

الطیران الإسرائیلى عمدا، إذ جاء بدراسته أن مدیر إدارة العملیات بالمخابرات المركزیة الأمریكیة عقد

عدة اجتماعات عام 1965 ،مع مسئولین من الموساد، لبحث متى وكیف یمكن التخلص من عبد

الناصر، وأن رأیهم استقر على إمكانیة تحقیق ذلك من خلال هزیمة عسكریة فى مواجهة بین مصر

وا ٕ سرائیل تضعه فى موقف لا یستطیع الانتصار فیه، فإذا تراجع أو هزم كانت نهایته، وأشار إلى أن

عقد الاجتماعات استمر بین الطرفین فى تل أبیب وفى واشنطن وحضر تلك الاجتماعات بعض ضباط

الأركان الإسرائیلیین وقد تقرر فى هذه الاجتماعات شن حرب یمكن احتواؤها بین مصر وا ٕ سرائیل لا تمتد

إلى الأردن وسوریا، وتم الاتفاق على استغلال مواقف عبد الناصر المتشددة وتأیید السوفییت له، وكذلك

الوضع فى سوریا لإثارة الرأى العام وتهیئته لقبول الحرب، على أن تقع الحرب فى إطار یمكن احتواؤه

مع الاحتفاظ بعلاقات وثیقة مع الحكام العرب الذین یتمنون التخلص من عبد الناصر مثل حسین

وفیصل.

ویذكر هیكل نقلا عن بیرسون انه نظرا لأهمیة خطة احتواء الحرب وتحدید إطارها بهزیمة مصر وحدها

كان وجود السفینة ”لیبرتي“ لتضمن التز ام الإسرائیلیین بما تم الاتفاق علیه، ولكن إقدام إسرائیل على

تنفیذ خطة تقوم على توسیع نطاق العملیات للاستیلاء على مجمل أرض فلسطین، وتقدمها السریع فى

سیناء والجولان، جعلها تقصف السفینة وتغرقها حتى لا تتحرك الولایات المتحدة لإلزامها بما اتفق علیه

غیر أن الولایات المتحدة غفرت لحلیفتها هذه الجریمة بعدما استطاعت أن تحقق ما لم یدر بخلد أمریكا،

فإذا كانت إسرائیل قد استطاعت أن تفرض تفوقها الإقلیمى، فقد نجحت فى تحجیم مصر وتصفیة دورها

الإقلیمى وهو ما كانت تتمناه الولایات المتحدة الأمریكیة.

ترى.. هل بدأ المشروع العدوانى على مائدة مجلس وزراء الأطلنطى ثم تبنته أمریكا ونفذته بالاشتراك مع

إسرائیل أم أن أطرافا أخرى فى الحلف ساهمت فى المشروع ؟!

Scroll to Top