غيض من فيض خفايا حرب 5 يونيو 1967

غيض من فيض خفايا حرب 5 يونيو 1967

بقلم: عمرو صابح

منذ وقعت هزيمة الخامس من يونيو 1967، جرت محاولات لا حصر لها لتفسير ما حدث. بعض هذه المحاولات سعى إلى فهم الهزيمة في سياقها الحقيقي، بينما اكتفى بعضها الآخر بترديد رواية مبسطة تختزل ما جرى في أخطاء القيادة المصرية أو في تفوق الجيش الإسرائيلي وحده.

ومع مرور السنوات تحولت هذه الرواية المبسطة إلى ما يشبه الحقيقة المطلقة، رغم أن عشرات الوثائق والشهادات والكتب الصادرة من أطراف الصراع نفسها تكشف أن الصورة كانت أكثر تعقيدًا بكثير.

وليس المقصود من هذا المقال تبرئة الرئيس جمال عبد الناصر من مسؤوليته عن الهزيمة، فقد أعلن الرجل بنفسه في خطابه يوم 9 يونيو 1967 أنه المسؤول عنها. كما أن أحدًا لا يستطيع إنكار الأخطاء السياسية والعسكرية التي سبقت الحرب أو صاحبتها. لكن الإنصاف التاريخي يفرض علينا أن ننظر إلى المشهد كاملًا، لا إلى جزء منه، وأن نقرأ ما جرى كما وقع، لا كما أراد المنتصر أن يرويه.

فحرب يونيو 1967 لم تكن مجرد مواجهة بين مصر وإسرائيل، بل كانت حلقة من حلقات الصراع الكبير الذى دار بين المشروع القومي العربي الذى حمله جمال عبد الناصر وبين القوى الدولية والإقليمية التي رأت في ذلك المشروع خطرًا على مصالحها ونفوذها في المنطقة. ولهذا لم تجد إسرائيل نفسها وحدها في الميدان، بل أحاطتها شبكة واسعة من الدعم السياسي والعسكري والاستخباراتي والتكنولوجي، ساهمت في صناعة النتيجة التي انتهت إليها الحرب.

وفيما يلي بعض من خفايا تلك المعركة التي ما زالت تلقي بظلالها على حاضر المنطقة حتى اليوم.

أولًا: القوى المشاركة في الضربة الجوية ضد المطارات والقواعد المصرية

في صباح الخامس من يونيو 1967 تعرضت المطارات والقواعد الجوية المصرية لضربة واسعة النطاق لم تقتصر، وفقًا لما ورد في العديد من المصادر، على القوات الجوية الإسرائيلية وحدها.

شاركت عشرون طائرة أمريكية أقلعت من قاعدة هويلس في ليبيا في قصف المطارات والقواعد العسكرية الواقعة في غرب مصر.

وشاركت عشرون طائرة فرنسية يقودها طيارون فرنسيون انطلقت من المطارات الإسرائيلية إلى جانب القوات الجوية الإسرائيلية، وقد قامت الحكومة الإسرائيلية بتكريم هؤلاء الطيارين عام 1997.

كما شاركت عشرون طائرة أخرى يقودها طيارون من جنوب أفريقيا العنصرية انطلقت من المطارات الإسرائيلية نفسها.

وكان الهدف واضحًا: شل القوة الجوية المصرية منذ اللحظات الأولى للحرب وحرمان القوات المسلحة من أهم عناصر قدرتها القتالية.

ثانيًا: الدعم العسكري والاستخباراتي واللوجستي لإسرائيل

لم تبدأ الحرب صباح الخامس من يونيو، بل بدأت قبل ذلك بسنوات من الإعداد والتجهيز والتخطيط.

فقد حصلت إسرائيل على دعم عسكري واستخباراتي واسع النطاق شمل:

ثلاثة أسراب من طائرات سكاي هوك وسربين من طائرات ميراج و62 دبابة ليوبارد ألمانية من خلال ترتيبات تمويلية مرتبطة بالمخابرات المركزية الأمريكية.

الخطة الجوية البريطانية المستخدمة خلال حرب 1956.

140 طيارًا مقاتلًا متطوعًا من مختلف أنحاء العالم.

احتياجات إسرائيل البترولية لمدة ستة أشهر كاملة تكفل بها شاه إيران محمد رضا بهلوي حتى نهاية عام 1967.

وفي الثالث من يونيو 1967 أقلعت أربع طائرات أمريكية من طراز RF S4 من قاعدة بئر السبع بصحراء النقب، وقامت بمسح شامل لكل ما هو ثابت ومتحرك في سيناء، ثم سُلّمت الصور والأفلام الناتجة عن تلك العمليات إلى الجيش الإسرائيلي.

كما جرى تخطيط واختبار خطة الحرب الإسرائيلية على الحاسبات الإلكترونية التابعة للبحرية الفرنسية في مدينة تولون.

وفي المجال الاستخباراتي نجحت الولايات المتحدة في فك شفرات الجيوش العربية، واعتراض الاتصالات والرسائل وإعادة صياغة بعضها بهدف تضليل القيادات العربية، ومن أشهر تلك الوقائع الرسالة المتبادلة بين الرئيس جمال عبد الناصر والملك حسين.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أرسلت الولايات المتحدة حاملة الطائرات “ساراتوجا” إلى السواحل الإسرائيلية، وتولت طائراتها توفير مظلة جوية فوق إسرائيل يوم الخامس من يونيو تحسبًا لأي رد فعل جوي مصري.

أما واقعة المدمرة الأمريكية “ليبرتي” فتظل من أكثر وقائع الحرب إثارة للجدل.

فقد أُرسلت المدمرة إلى شرق البحر المتوسط لمتابعة العمليات العسكرية والتجسس على مجريات المعركة، بينما كانت الغواصة الذرية الأمريكية “أندرو جاكسون” تعمل أسفلها.

وخلال الحرب تعرضت “ليبرتي” لهجوم من الطيران والزوارق البحرية الإسرائيلية أسفر عن مقتل 34 فردًا من طاقمها.

وكان المخطط يقضي بإغراق السفينة بالكامل ثم توجيه الاتهام إلى مصر، بما يبرر تدخلاً أمريكيًا مباشرًا ضد القاهرة. وكان من المقرر أن تنطلق طائرات فانتوم أمريكية من قاعدة أمريكية في إيطاليا تحمل قنابل ذرية تكتيكية لضرب أهداف داخل مصر، وفي مقدمتها مطار غرب القاهرة الذي اعتقد الأمريكيون بوجود قاذفات سوفيتية ثقيلة فيه.

إلا أن رصد التحركات الأمريكية والإسرائيلية من جانب وحدات الاستطلاع السوفيتية واكتشاف وجود الغواصة الذرية الأمريكية في منطقة الحادث أدى إلى إفشال المخطط وإيقافه قبل تنفيذه.

ثالثًا: بطولات مصرية غطت عليها الهزيمة

ورغم قسوة الهزيمة، فإن صفحات القتال نفسها لم تخل من مشاهد البطولة والصمود.

فقد خسرت إسرائيل خلال الحرب 20% من قوتها الجوية و15% من طياريها.

واستمرت وحدات مصرية مدرعة وقوات مشاة في القتال بوسط سيناء حتى التاسع من يونيو، أي بعد الأيام الأولى التي حُسمت فيها المعركة جوًا.

كما تمكن اللواء الأول المدرع وكتيبة دبابات اللواء الأول مشاة من مطاردة قوات إسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة لمسافة بلغت 55 كيلومترًا شرق الكونتلا.

وفي قطاع القناة نجحت قوة من مائة مقاتل من الصاعقة المصرية في تعطيل تقدم القوات الإسرائيلية لمدة ثماني عشرة ساعة كاملة على طريق مثلث القنطرة، ولم يتمكن العدو من مواصلة تقدمه إلا بعد انسحاب أفراد القوة.

أما في الجو، فبعد إصلاح بعض ممرات المطارات التي تعرضت للقصف، أقلع ثلاثون طيارًا مصريًا في مهمة فدائية شبيهة بعمليات الكاميكازي اليابانية لاعتراض الطيران الإسرائيلي، واستشهد منهم اثنا عشر طيارًا.

لقد طغت مرارة الهزيمة على كثير من هذه البطولات، فضاعت أسماء رجال قاتلوا حتى اللحظة الأخيرة، واختفت مواقف الصمود خلف مشاهد الانسحاب والانهيار التي سيطرت على الذاكرة العامة.

إن التاريخ لا يُقرأ بعين المنتصر وحده، ولا تُفهم الحروب من نتائجها النهائية فقط. فبين الهزيمة العسكرية والبطولة الفردية مساحة واسعة من الوقائع والحقائق التي تستحق أن تُروى.

وبعد ما يقرب من ستة عقود على حرب يونيو ما زالت الوثائق والشهادات تكشف جوانب جديدة من تلك المعركة، وما زالت أسئلة كثيرة تبحث عن إجابات. لكن ما لا خلاف عليه أن آلاف المصريين قاتلوا واستشهدوا وهم يؤدون واجبهم، وأن الهزيمة مهما كانت قاسية لا تستطيع أن تمحو شرف القتال ولا تضحيات الرجال.

رحم الله شهداء مصر في حرب يونيو، ورحم كل من سقط دفاعًا عن وطنه وأمته، فالأوطان تُبنى بالتضحيات، والتاريخ يبقى شاهدًا على من قاتلوا ومن استشهدوا ومن تحملوا أعباء تلك الأيام العصيبة.

المصادر:

– 30 ساعة من الحرب : شموئيل جونين – ترجمة هيئة الاستعلامات.

– حروب إسرائيل : وزارة الدفاع الإسرائيلية- ترجمة هيئة الاستعلامات.

– مذكرات “موشى ديان”.

– كتاب “القوات المسلحة المصرية عن حرب 1967” صادر عن وزارة الحربية المصرية عام 1969

– أسرار حرب 1967 : أمين هويدى.

– حروب عبد الناصر : أمين هويدى.

– الصراعات والحروب التى فرضت على عبد الناصر : دراسة للواء/ حمدى محمد الشعراوي.

– اليوم السابع : محمود عوض.

– الانفجار 1967 : محمد حسنين هيكل.

– سلسلة حلقات “مع هيكل” عن حرب 1967 .

– حرب يونيو : طه المجدوب.

– العملية سيانيد : بيتر هونام.

– المساعدات العسكرية الألمانية لإسرائيل : العميد مصطفى حسن.

Scroll to Top