المَلَكية ومن يتحسَّر عليها!

د.أسامه حمدي يكتب:

المَلَكية ومن يتحسَّر عليها!

حين يكون لدينا شعب بلا ذاكرة، وتاريخ غير موثق، أو صحيح، تخرج من بين الشعب المصري العظيم فئة تتحسر- مع الأسف- على المَلَكية، وتتندر بالجمال والفخامة اللذين كانت عليهما القاهرة، ومحالها وأزيائها، بل وتتابع بشغف الوريث المخلوع طفلًا في زياراته لمصر. ومع أن لأسرة محمد على بعض الحسنات التي لا ينكرها أحد، فإننا ما زالنا نعاني من كوارثها حتى الآن. أفهم أن يمجّد هؤلاء الملَكية وعصرها نكاية في الحكم الجمهوري الذي تلاها، ولكن لوضع الأمور في نطاقها الصحيح للأجيال الحالية، لا يمكن- بأي حال- أن يكون كراهية الحكم الجمهوري مبررًا لتمجيد الملَكية، فكلاهما صفعة على الخد؛ إحداهما من غريب، والأخرى من قريب! وللتاريخ هناك بعض الحقائق يجب أن نضعها جميعًا في نصابها الصحيح:

١- محمد علي: رب هذه الأسرة، تصرف كأنه ورث مصر بمن عليها، فانتزع “جميع” أراضي مصر من مُلّاكها المصريين، ووضعها بأكملها تحت يده، يتصرف فيها كما يشاء، فوزّعها على من ينشد ولاءه له، مصحوبًا عادة بلقب الباشا. وهذه حقيقة يتجاهلها المتباكون على الإصلاح الزراعي ومحاربة الإقطاع، والذين أصبح عندهم رد الحقوق إلى أصحابها الأصليين هو العيب ذاته! كما نفى محمد علي كل علماء الأزهر من الوطنيين(الشيخ السادات، الشرقاوي، الدواخلي، عمر مكرم) ليقضي على أي مقاومة مصرية لحكمه.

٢- الخديو إسماعيل: تسبب في سقوط مصر فريسة للدائنين بمشروعاته المبالغ فيها، فوضعت فرنسا وبريطانيا على رأس وزارة المالية مندوبًا للتحصيل، ومندوبًا للصرف، ففقدت الحكومة قدرتها المالية تمامًا، وانتهت بالتنازل عن أسهمنا في قناة السويس للحكومة البريطانية، وعزله من الحكم.

٣- الخديو توفيق: أو من يطلق عليه “الخديو الخائن”، الذي استنجد بالإنجليز لمساعدته على البقاء على سدة الحكم، ورحب بالسير ويلسلي -القائد الإنجليزي- محتلًا لبلاده، ونثر الورود على جنوده في احتفال مهيب لدخولهم لاحتلال مصر، في صورة لا يمكن أن يصدقها عاقل، فيها ما فيها من الخيانة والمذلة.

٤- الملك فؤاد: وهو أول ملك لمصر من هذه السلالة الأجنبية، والذي لم يتكلم المصرية واحتقر المصريين ولغتهم، وتعاون مع المحتل الإنجليزي واعتبره الحامي الأسمى والأوحد لمصر (المندوب السامي البريطاني).

٥- الملك فاروق: هذا الملك محدود العلم والثقافة، حكم مصر وتصرف في حكمها كالصبيان المراهقين. ومن يريد أن يقرأ عن مجونه وعربدته بين صالات القمار والنساء، فليقرأ كتاب “Too Rich”، الذي حاور فيه كاتب السيرة الذاتية للملك -ويليام استاديم- معظم النساء اللاتي كان الملك على علاقة بهن، ومعظم من عاشرنه. ويكفي أن تعرف أن شواطئ الريفييرا الفرنسية والإيطالية كانت تنتظره كل عام ليصرف ببذخ على نزواته ومجونه، وشعبه يعاني الحفاء بعد أن تمكن فيه الجهل والمرض، وخفض متوسط عمره إلى ٣٤ سنة في عام ١٩٥٢. وكان فساد حكمه متوازيًا مع تلاعبه بالساسة والوزراء، وتغيير الحكومات.

من الصعب تصور أن مصريًا عاقلًا يرى في تاريخ هذه العائلة الأجنبية التي ورثت مصر وحكمتها ما يُشرف، ويخنع ويخضع لها، ويدافع عنها وعن تاريخها؛ نكاية فيمن حكموا بعده.

Scroll to Top