الست .. فيلم لم يفهم أم كلثوم
لم يفشل فيلم «الست» في تقديم سيرة أم كلثوم فنيًا فقط، بل أخفق — وبامتياز — في فهم معنى أن تكون أم كلثوم أصلًا. ما قُدِّم على الشاشة ليس “الست” التي نعرفها، بل شخصية مُفبركة، هشة، ومشوَّهة، كُتبت بعقلية مهووسة بتفكيك الرموز لا بفهمها، وباسم “الاقتراب الإنساني” جرى اغتيالها إنسانيًا وفنيًا وتاريخيًا.
صُنّاع الفيلم أرادوا تقديم صورة إنسانية لأم كلثوم. لكن النتيجة جاءت عكس ذلك تمامًا؛ فقد جُرِّدت من إنسانيتها الحقيقية: ذكاؤها الاجتماعي، حسّها السياسي، خفّة دمها المعروفة، سرعة بديهتها، وقدرتها الفريدة على قراءة البشر واللحظة التاريخية، وتحويل الأزمات إلى مكاسب. وبدلًا من ذلك، ظهرت على الشاشة امرأة كئيبة، متبلدة، انتهازية، تتحرك بين العلاقات والمصالح، وكأنها مشروع صعود فردي بلا جذور، بلا مبادئ، وبلا رؤية.
المشكلة الجوهرية في فيلم «الست» ليست الإخراج ولا التمثيل، بل السيناريو. نص أحمد مراد هو أصل العطب كله. كتابة سطحية تتعامل مع التاريخ كخلفية ديكور، لا كمسار معقّد تحكمه سياقات سياسية وفنية واجتماعية. مراد لم يفهم أم كلثوم، فكتبها كما تُكتب أي شخصية درامية مأزومة: خلافات، علاقات عاطفية، نوبات غضب، ومونولوجات نفسية فارغة. أم كلثوم لم تكن بطلة رواية نفسية، بل ظاهرة حضارية صنعت وعيًا عامًا.
علاقة أم كلثوم بوالدها الشيخ إبراهيم البلتاجي وأخيها الشيخ خالد قُدِّمت بشكل صدامي فجّ، وكأنها نشأت في حرب دائمة مع أسرتها. وهذا اختلاق واضح. الواقع كان أكثر تعقيدًا واتزانًا: أب صارم نعم، لكنه مؤمن بموهبتها وحارس مشروعها، ولم يكن يستغلها، ولم يكن هدفه نهبها، وأخ شريك في الرحلة لا خصمًا كاريكاتوريًا. الفيلم استسهل الصدام لأنه لا يعرف غيره.

أين رياض السنباطي، زكريا أحمد، محمد عبد الوهاب، فريد الأطرش، منيرة المهدية، أبو العلا محمد، بليغ حمدي، وعبد الحليم حافظ في الفيلم؟
في الفيلم، تصعد أم كلثوم وحدها، بلا صراع فني حقيقي، بلا شراكات، بلا جدل إبداعي. وهذا تزوير فجّ لتاريخ الفن المصري، الذي كان في عصر أم كلثوم ساحة اشتباك عبقري، لا رحلة فردية نرجسية.
أخطر ما فعله الفيلم أنه فشل في التعامل مع موسيقى أم كلثوم بوصفها جوهر الحكاية لا خلفيتها. الموسيقى هنا لم تكن محركًا دراميًا ولا لغة شخصية، بل مجرد زينة صوتية تُستدعى وقت الحاجة. لم يحاول الفيلم فهم بنية الأغنية الكلثومية: التطريب، التكرار، الصعود التدريجي، الحوار الخفي بين الصوت والفرقة، ولا مفهوم الزمن داخل الأغنية، حيث الدقيقة قد تصبح عالمًا كاملًا.
الأدهى أن الفيلم لم يُظهر كيف كانت أم كلثوم تعمل:
كيف تُدار البروفات، كيف تُناقَش الجملة الموسيقية، كيف كانت تفرض رؤيتها على ملحنين بحجم السنباطي وزكريا أحمد، وكيف كان الصراع الإبداعي جزءًا أصيلًا من صناعة العبقرية. الأغنية في الفيلم تُولد جاهزة، بلا عرق، بلا جدل، بلا صراع فني، وكأن الصوت وحده هو المعجزة. وهذا تبسيط مُخلّ يصل حدّ التزوير.
حتى الأداء الغنائي جاء باهتًا، بلا روح الطرب، بلا مساحات ارتجال، وبلا لحظة “سلطنة” واحدة حقيقية. لم نشعر بتلك اللحظة التي كان الجمهور يصرخ فيها قبل أن تُكمِل الجملة. كل شيء كان آمنًا، محسوبًا، مُعقّمًا… أي عكس أم كلثوم تمامًا.
افتتاح الفيلم بمشهد سقوط أم كلثوم على مسرح الأوليمبيا عام 1967 مثال صارخ على الاستسهال. المشهد مستعار بوضوح من فيلم La Vie en Rose عن إديث بياف، لكن دون فهم للسياق. ما حدث في باريس لم يكن انهيارًا، بل لحظة قوة رمزية بعد النكسة؛ لحظة التفاف جماهيري وتأكيد أن الفن يمكن أن يكون فعل مقاومة. الفيلم حوّلها إلى مشهد شفقة، وكأن أم كلثوم ضحية لا فاعلة.
أخطر لحظات الفيلم على الإطلاق هو مشهد حرق أم كلثوم لتاريخها الغنائي قبل الثورة، ثم مشهد غنائها «مصر التي في خاطري»، وكأن الأمر صفقة سياسية مع النظام الجديد. المشهد صُوِّر بوضوح على أنه نفاق وانتهازية بلا مبدأ. وهذا تشويه فجّ. أم كلثوم لم تكن يومًا فنانة تغيّر جلدها حسب السلطة؛ كانت دائمًا ابنة اللحظة الوطنية، تشارك التحولات ولا تتزلف لها.
أما الزعيم جمال عبد الناصر، فتم تقديمه بشكل كوميدي. عمرو سعد فشل فشلًا ذريعًا في استحضار الشخصية: لا كاريزما، لا هيبة، لا روح.
عبد الناصر في الفيلم يبدو كموظف كبير، لا زعيمًا تاريخيًا شكّل وجدان أمة. العلاقة المعقّدة بينه وبين أم كلثوم اختُزلت في مشاهد باردة بلا معنى.
مروان حامد مخرج صاحب أدوات وبراعة بصرية، لكن هذه البراعة لم تشفع له في فيلم تاريخي مكتوب بشكل أعوج. الصورة جميلة، لكن الروح غائبة. في الأعمال التاريخية، الإخراج لا ينقذ نصًا مفكك.
الحقيقة أن دور أم كلثوم أكبر من إمكانيات منى زكي التمثيلية. هذا ليس تقليلًا منها، بل توصيف. أم كلثوم ليست شخصية تُؤدّى، بل حالة تُمتلك.
فشل منى زكي الذريع سابقًا في مسلسل «السندريلا» عن سعاد حسني كان يجب أن يكون إنذارًا، لا تمهيدًا لتكرار الخطأ على نطاق أكبر. هنا لم نرَ أم كلثوم، بل ممثلة تحاول “تمثيل العظمة”.
فيلم «الست» ليس قراءة فنية جريئة، بل إعادة كتابة مشوّهة لتاريخ امرأة أكبر من صُنّاعه. باسم تقديم أم كلثوم الإنسانة جرى تفريغ أم كلثوم من إنسانيتها الحقيقية، وباسم الفن شُوِّهت واحدة من أعمدة الوعي العربي.
أم كلثوم لم تكن ملاكًا، لكنها لم تكن انتهازية.
لم تكن أسطورة جامدة، لكنها لم تكن شخصية مهزوزة.
كانت عقلًا، وصوتًا، وموقفًا.
والفيلم — بكل بساطة — لم يفهم ذلك.
