عبد الناصر وعفلق والبعث.. القومية العربية بين مشروع أمة وتنظيم حزب
في خضم التحولات الكبرى التي شهدها العالم العربي منتصف القرن العشرين، برز جمال عبد الناصر كشخصية فريدة جمعت بين الرؤية التاريخية والحضور الشعبي، ليصبح محركًا لمشروع قومي لم يكن مجرد شعار، بل محاولة حقيقية لتوحيد الأمة العربية وتحويل القومية من فكرة إلى فعل، من حلم إلى مشروع دولة. وفي مقابل هذا المشروع، وقف حزب البعث بقيادة ميشيل عفلق وصلاح البيطار، عاجزًا عن التوفيق بين النصوص العقائدية وطموحاته التنظيمية، محاولًا أحيانًا تحويل القومية إلى أداة للهيمنة الحزبية.
وبينما أنا أطالع كتاب «معركة المصير الواحد» الصادر عام 1956، للمفكر والسياسي العربي الراحل ميشيل عفلق، أحد المؤسسين الأوائل لحزب البعث العربي الاشتراكي، يبرز أمامي مقال نادر يكشف بوضوح كيفية رؤية عفلق لشخصية عبد الناصر ونظامه، وما يعنيه ذلك بالنسبة لمشروع القومية العربية.

نص مقال ميشيل عفلق
> «عبد الناصر في شخصه ونفسيته وتفكيره، وفي النظام الذي أوجده، والاتجاه الذي اعتنقه وأخلص له، والقاعدة المنظمة المتينة التي ركّز عليها هذا الاتجاه — وهي نظام الحكم في مصر — يشكّل نواة جبّارة ومنطلقًا فعّالًا لاستقطاب نضال الشعب في كل مكان، واجتذاب كل عناصر الخير والقوة والتقدم الكامنة والمتناثرة في هذا الشعب.
جمال عبد الناصر هو فعلًا وبالذات موضوع وهدف لهذه المعركة الفاصلة التي يشنها الغرب الاستعماري من خلال شخصه على العرب، وحريتهم، ووحدتهم، وتقدمهم.
ولو زال عبد الناصر، فإن ذلك سيرجع بالعرب عشرات السنين إلى الوراء، إلى زمن الاحتلال والتجزئة والفساد والانحلال، لأن سياسة عبد الناصر الاستقلالية العربية قد رفعت قضية العرب وإمكاناتهم درجات حاسمة إلى فوق، ونقلتها إلى المستوى الجدي الذي يفصل فصلًا قاطعًا لا لبس فيه بين الأوضاع الراهنة الفاسدة — التي هي سبب ضعف العرب وسيطرة الاستعمار ووجود إسرائيل — وبين الحياة والأوضاع الجديدة التي يتطلع إليها العرب، والتي توفّر لهم من أسباب القوة ما يكفل تحررهم ووحدتهم.
هذا ما أدركه الاستعمار منذ البدء، ومنذ أن لمس التجاوب العميق بين سياسة عبد الناصر وبين اندفاعات الشعب العربي في كل قطر. ولكن الفئات الرجعية المتآمرة في الأقطار العربية ظلت، إلى ما قبل أيام، تنكر هذه الحقيقة وتكابر فيها، وتتجاهل القفزة التاريخية التي حققها عبد الناصر في حياة الأمة العربية في هذه المرحلة المفصلية من تاريخها. لذا، فإن بقاء عبد الناصر ضرورة حيوية لمستقبل العرب».
انتهى مقال ميشيل عفلق كما نُشر عام 1956.
وتكمن أهمية هذا النص لا في قيمته التوثيقية فحسب، بل في توقيته ودلالته السياسية؛ إذ كُتب قبل أن تتفجر الخلافات بين الرئيس جمال عبد الناصر وقيادات حزب البعث، وقبل أن تتحول تجربة الوحدة العربية من حلم تاريخي جامع إلى ساحة صراع على السلطة والنفوذ.
في تلك المرحلة المبكرة، كان جمال عبد الناصر قد ترسّخ بوصفه القائد العربي الأكثر حضورًا وتأثيرًا في الوجدان الشعبي والسياسي، بينما كان حزب البعث لا يزال في طور البحث عن موقعه داخل الحركة القومية العربية. لم تكن الخصومة قد اتخذت شكلها الحاد بعد، لا عقب قيام الوحدة المصرية-السورية عام 1958، ولا حتى مع بدايات التوتر الناتج عن محاولات حزب البعث تحويل سوريا إلى كيان خاضع لهيمنة تنظيمية بعثية تحت مظلة الوحدة.
غير أن المشهد انقلب رأسًا على عقب مع انفصال 28 سبتمبر 1961، وهو الانفصال الذي جرى في سياق مؤامرة سياسية شارك فيها حزب البعث بوضوح، ووقّع على وثيقة الانفصال أحد أبرز قادته، صلاح البيطار. ومنذ تلك اللحظة، دخلت العلاقة بين النظام الناصري وحزب البعث طور العداء المفتوح، وخلال ما يقرب من عقد كامل، تحوّل الخلاف من تباين سياسي إلى معركة كسر إرادات. ولم يدرك قادة حزب البعث — أو تجاهلوا عمدًا — دلالة وجود قيادة تاريخية بحجم جمال عبد الناصر على رأس مصر، بوصفها القطر القاعدة في العالم العربي، وقلب المشروع القومي ورافعة ثقله الاستراتيجي.
وبدلًا من أن يشكّل التحالف بين عبد الناصر وحزب البعث ركيزة لمشروع قومي عربي جامع، تحوّل الصراع بين الطرفين إلى عامل تفكيك للفكرة القومية ذاتها، وأضاع فرصة تاريخية كان من الممكن أن تغيّر مسار العالم العربي. وقد ساهم في ذلك شعور قيادات البعث بالدونية السياسية أمام الشعبية الجارفة لعبد الناصر ونفوذه العربي، إلى جانب رفض عبد الناصر المبدئي لفكرة التنظيمات الحزبية العقائدية، وإيمانه الراسخ بأن القومية العربية مشروع أمة، لا مشروع حزب.
والمفارقة اللافتة أن التقارير الاستخباراتية الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية خلال ستينيات القرن العشرين كانت تجمع على أن أخطر قوتين منظمتين تعاديان جمال عبد الناصر هما: جماعة الإخوان المسلمين وحزب البعث. وهكذا وجد البعث نفسه — من حيث يدري أو لا يدري — في الموقع ذاته الذي شغله خصمه الأيديولوجي، في معاداة المشروع الناصري.
من هنا تتجلى القيمة التاريخية والسياسية البالغة للمقال الذي كتبه ميشيل عفلق عام 1956؛ فهو ليس مجرد شهادة على مكانة عبد الناصر في تلك اللحظة، بل وثيقة إدانة لاحقة لمسار حزب البعث نفسه، وحُجّة دامغة على الانقلاب الذي مارسه الحزب على أفكار مؤسسه. ولو أن هذه الكلمات تحوّلت إلى ممارسة سياسية دائمة، لا إلى خطاب ظرفي، لكان تاريخ العرب المعاصر قد سلك مسارًا مختلفًا تمامًا.
في 8 فبراير 1963، أُطيح بحكم عبد الكريم قاسم في العراق بعد انقلاب عسكري قاده تحالف معقّد من الضباط البعثيين والقوميين، منهياً حكمًا استمر منذ 14 يوليو 1958. ورغم أن قاسم وصل إلى السلطة على أنقاض النظام الملكي بشعارات وطنية واجتماعية، فإن سياساته سرعان ما اتسمت بالتناقض؛ إذ دخل في صدام مفتوح مع التيار القومي العربي، ورفض الانضمام إلى الجمهورية العربية المتحدة، بل واجه المدّ الناصري بقمع سياسي واسع، ما أفقده الحاضنة القومية وأدخله في عزلة داخلية وخارجية انتهت بسقوطه العنيف.
أما في سوريا، فقد سبق ذلك بسنتين سقوط تجربة أكثر مباشرة في دلالتها القومية. ففي 28 سبتمبر 1961، وقع انقلاب عسكري أنهى الوحدة بين مصر وسوريا، وأعلن قيام ما عُرف بـ«نظام الانفصال»، منهياً الجمهورية العربية المتحدة التي أُعلنت في 22 فبراير 1958. ورغم الترويج للانفصال باعتباره «تصحيحًا لمسار الوحدة»، فإن النظام الجديد افتقر إلى الشرعية الشعبية، وعجز عن بناء استقرار سياسي أو اقتصادي، وظل معزولًا عن المزاج العام الذي بقي منحازًا للوحدة وعبد الناصر.
ولم يدم نظام الانفصال طويلًا؛ ففي 8 مارس 1963، أطاح انقلاب عسكري قاده ضباط بعثيون وناصريون بحكم الانفصال في دمشق، رافعًا مجددًا شعار الوحدة العربية، ومعلنًا — نظريًا — العودة إلى مشروع التقارب مع مصر الناصرية. وهكذا، وفي غضون أسابيع قليلة، سقط نظام قاسم في بغداد، وسقط نظام الانفصال في دمشق، لتتهيأ الساحة العربية لمحاولة جديدة لإعادة بناء التحالف القومي.
في هذا السياق جاءت محادثات الوحدة الثلاثية في القاهرة (مارس–أبريل 1963) بين مصر وسوريا والعراق، لا بوصفها مفاوضات بين أنظمة خرجت لتوّها من انقلابات، بل باعتبارها اختبارًا تاريخيًا حاسمًا: هل يمكن تحويل شعار الوحدة إلى مشروع دولة تحرري تقوده الشرعية الشعبية، أم سيظل أداة بيد تنظيمات حزبية تسعى للسلطة باسم القومية؟
لم تكن تلك المحادثات لحظة تفاوض متكافئة، بل مواجهة فكرية غير متوازنة كشفت الفارق العميق بين عقل الدولة وعقل التنظيم. فقد دخل جمال عبد الناصر الجلسات بوصفه رجل دولة وصاحب مشروع تاريخي متكامل، بينما دخلها ميشيل عفلق وصلاح البيطار بعقلية مؤسسي حزب ما زال أسير النصوص والشعارات.
ناقش عبد الناصر الوحدة بوصفها مسألة سلطة وشرعية وبنية دولة، لا مجرد شعار قومي. طرح أسئلة حاسمة:
من يحكم الدولة الموحدة؟
من يملك القرار؟
أين موقع الشعب من تنظيم يدّعي تمثيله؟
في المقابل، انطلق عفلق والبيطار من تصور أيديولوجي يرى الحزب «طليعة الأمة» ووصيًا عليها، وهو تصور لم يصمد أمام منطق عبد الناصر الذي رفض بوضوح أن تُختزل الأمة في تنظيم، أو تُصادر الإرادة الشعبية باسم العقيدة القومية. هنا تحديدًا تجلّى التفوق الفكري لعبد الناصر، إذ نقل النقاش من مستوى الشعارات إلى مستوى الدولة الحديثة، حيث لا شرعية بلا تفويض شعبي، ولا وحدة بلا اندماج حقيقي في السلطة، ولا قومية تُفرض من أعلى.
بدا ميشيل عفلق، المفكر والمنظّر، أقل عمقًا مما توحي به كتاباته؛ إذ عجز عن تقديم إجابة عملية للتوفيق بين حزب عقائدي شمولي ودولة يُفترض أنها تمثل مجموع الأمة. أما صلاح البيطار، السياسي البراغماتي، فظهر أسيرًا لتوازنات السلطة في دمشق، لا قادرًا على مجاراة منطق عبد الناصر، ولا راغبًا في تفكيك الهيمنة الحزبية التي قام عليها حكم البعث.
وهكذا، لم يهزم عبد الناصر البعث سياسيًا فحسب، بل هزمه في منطقه الداخلي؛ إذ كشف أن مشروعه يقوم على معادلة مقلوبة: تنظيم يقود أمة، لا أمة تُنتج قيادة. ومنذ تلك اللحظة، بات واضحًا أن «الوحدة» كما طرحها البعث ليست مشروعًا تحرريًا شعبيًا، بل إطارًا سلطويًا لتوسيع نفوذ حزب باسم القومية.
ومن هنا تصبح محاضر الوحدة الثلاثية وثيقة إدانة فكرية قبل أن تكون سجلًا سياسيًا؛ فهي تُظهر أن عبد الناصر كان أكثر تقدمًا من عفلق والبيطار لا لأنه أقوى أو أذكى، بل لأنه تجاوز الأيديولوجيا المغلقة إلى تصور تاريخي للدولة والأمة، بينما ظلّ البعث حبيس لحظة التأسيس، عاجزًا عن التحول من حزب عقيدة إلى مشروع دولة.
وبذلك، لم تفشل الوحدة لأن عبد الناصر رفضها، بل لأنها طُرحت من جانب لم يفهم شروطها. وبين رؤية ترى القومية فعل تحرر شعبي، وأخرى تراها أداة حكم حزبي، انكسر المشروع، وبقي جمال عبد الناصر — حتى في نظر خصومه — المعيار الذي لم يستطع أحد تجاوزه.
الصورة تُظهر الرئيس جمال عبد الناصر بين صلاح البيطار وميشيل عفلق، بينما يظهر عبد اللطيف البغدادي خلفه.
