عن خطاب مصر السياسي والإعلامي .. أحمد الجمال

عن خطاب مصر السياسي والإعلامي .. أحمد الجمال

عن خطاب مصر السياسي والإعلامي
أحمد الجمال
لا أعرف من يصوغ الخطاب السياسي والإعلامي المصري، ابتداء من النص الذي يقرأه السيد رئيس الجمهورية، والسيد رئيس مجلس الوزراء، وليس انتهاء بالتعليقات والتحليلات المبثوثة تلفزيونيًا وإذاعيًا.
وما قد يعلمه العامة من أمثالي هو أن رئيس الجمهورية، وربما أيضًا رئيس الوزراء، يقدمان الخطوط العريضة التي يريدان أن يتضمنها الخطاب، وأن من يقوم بالصياغة قد يكون كاتبًا صحفيًا أو دبلوماسيًا أو مسؤولًا في الرئاستين.. وقد يتم تكليف أكثر من شخص، ولا يؤخذ بما كتبوه ولكن بصياغة أخرى.. وهلم جرا.
وكثيرًا ما نلاحظ أن المسؤول الكبير يخرج عن النص المكتوب، ليضيف أمرًا أو يشرحه، أو ليفاجئ الرأي العام بما حجبه عن أقرب مستشاريه؛ خشية أن يتسرب قبل أن يدلي به.
وهنا يفرض سؤال حائر نفسه، ألا وهو: هل من الوارد أن يكون الخطاب في بعض أجزائه من بنات أفكار من كُلِّف بصياغته، فتأتي تلك الأجزاء تعبيرًا عن مفاهيم ورأي أو معتقد صاحبها وانحيازاته، وأنه طالما تمت صياغة الأفكار الأساسية التي جاءت في التكليف صياغة مقبولة متسقة مع ما أراده المسؤول؛ فلا حرج في ترك مساحة ما للصائغ يكتبها وفقما يشاء بضوابط معروفة ومستقرة؟!
يفرض السؤال نفسه لدى أي مراقب معني بالشأن الوطني العام، لأنني تابعت خطاب السيد الرئيس بمناسبة الاحتفال بتشغيل السد التنزاني، الذي بنته مصر بخبرات شركاتها ومهندسيها وفنييها، وقد أطلق التنزانيون اسم جوليوس نيريري على ذلك السد، وبالتالي فقد تحدث رئيس مصر عن سد نيريري.
وهنا، ولمن لا يعرفون أو تخونهم ذاكرتهم، فإن نيريري هو الزعيم الوطني التنزاني الذي رأس تنزانيا من 1964 إلى 1985، وقد ولد عام 1922 وتوفي عام 1999، وتخرج في جامعة أدنبرة عام 1947، وتخصص في الاقتصاد والتاريخ، ثم نال درجة الماجستير في الآداب عام 1952 من جامعة فورت هير، وقاد نضال بلاده تنجانيقا ضد الاحتلال البريطاني، ثم صار رئيسًا للدولة التي ولدت من اتحاد تنجانيقا وزنزبار عام 1964.
وبديهي أن نضاله التحرري ضد الاستعمار، ولبناء وطن اشتراكي؛ التقى مع نضال مصر بقيادة جمال عبد الناصر، وصار الزعيمان من أبرز قادة القارة الإفريقية، وهذا المسار معروف ومدروس.
والمفارقة التي لفتت نظري وبعنف، هي أن الخطاب السياسي المصري أسقط اسم جمال عبد الناصر في مناسبة الاحتفال بذكرى ثورة يوليو 1952، وتم الاكتفاء بالإشارة لقادة الثورة، بينما تنزانيا تحتفي باسم قائدها وتعتز به وتطلقه على سدها.
وما جرى في ذكرى الثورة ليس منفصلًا عن حذف ناصر من اسم الأكاديمية العسكرية، ولا عن المحاولة القديمة المتجددة لحذف اسم ناصر من البحيرة المسجلة في جميع الأطالس العالمية باسم بحيرة ناصر، والوحيد الذي يسميها بحيرة السد العالي هو الإعلام المصري!
ومع المفارقة المصرية– الإفريقية تأتي مفارقة أخرى يتحملها من يصوغ الخطاب السياسي المصري، هي التي يلاحظها المراقب المهموم بالشأن العام عند قراءة المقالين اللذين نشرا باسم السيد رئيس جمهوريتنا والسيد رئيس جمهورية الصين، إذ نلاحظ وببساطة أن الصياغة الصينية لم تفلت الإشارة الواضحة إلى “الصداقة العميقة بين شعبي البلدين في نضالهما لتحقيق الاستقلال الوطني ومقاومة الإمبربالية والاستعمار”.
كما لم تفلت الإشارة إلى “مؤتمر باندونج المنعقد في عام 1955.. كانت الصين ومصر تدعمان بنشاط النضال ضد الامبريالية والاستعمار، وتعملان معًا على تعزيز التضامن بين الدول الآسيوية والإفريقية”.
ولا أريد أن أستطرد في المقارنة بين الخطاب السياسي للدول الإفريقية التي شاركتها مصر نضالها للتحرر والتنمية، وكيف أنهم لا يسقطون أبدًا اسم ناصر، بما يحمله من دلالات ومضامين وطنية تحررية إنسانية، بل وبقي اسمه على طرق ومؤسسات، فيما نسارع- في وطن جمال عبد الناصر- لطمس سيرته وحذف اسمه حتى في المناسبات التي يعد هو بطلها ورمزها.
فهل يعلم من يصوغ خطاب مصر السياسي، ومن يوجه بصياغته، حجم الخسارة السياسية والمعنوية والأدبية التي تخسرها المحروسة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية عندما يرون هذا المسلك الذي أقل ما يقال فيه: “وطن يفرّط في رصيده التاريخي الذهبي”!
ولا أدري هل الاستجابة لرغبات من يريدون أن يحذفوا يوليو وناصر والتحرر الوطني طمعًا في رضاهم تعوض تلك الخسارة المعنوية الفادحة؟

Scroll to Top