تفكيك نعيق إبراهيم عيسى عن «الفردوس الليبرالي» الذي حطّمه جمال عبد الناصر

تفكيك نعيق إبراهيم عيسى عن «الفردوس الليبرالي» الذي حطّمه جمال عبد الناصر

بقلم: عمرو صابح

يبدو أن جعبة إبراهيم عيسى لن تخلو من الأكاذيب التاريخية؛ فكلما فرغ من واحدة، أخرج لنا أخرى، وكأن التاريخ بالنسبة إليه ليس علمًا له وقائع ووثائق، وإنما مخزنٌ مفتوح للأكاذيب التي تخدم هواه.
وها هو يخرج علينا ناعقًا على ما يسميه «الحقبة الليبرالية» في مصر، مهاجمًا جمال عبد الناصر وثورة 23 يوليو، ومرددًا الأسطوانة المضحكة ذاتها: كانت مصر قبل يوليو 1952 تعيش في ظل «دولة مدنية» وليبرالية وديمقراطية واعدة، وأن الثورة جاءت لتجهض هذا المشروع الجميل، وتغلق الطريق أمام مصر التي كان يمكن أن تتحول إلى نموذج ديمقراطي عظيم.
كلامٌ براق لمن لم يقرأ التاريخ، لكنه يصبح شيئًا آخر تمامًا عندما نضعه أمام الوقائع والوثائق، ونطرح السؤال الذي يبدو أن عيسى لا يحب الاقتراب منه: أيُّ «دولة مدنية» كانت تلك؟ وأيُّ ديمقراطية؟ ولصالح مَن كانت تعمل مؤسساتها؟ ومن كان يملك القرار الحقيقي في مصر؟
تُسمّى الفترة من 1923 إلى 1952 في الأدبيات التاريخية المصرية «العصر الليبرالي». وهي بالفعل شهدت دستورًا وبرلمانًا وأحزابًا وانتخابات وحياة صحفية وسياسية نشطة، وكان فيها قدر حقيقي ـ وإن كان غير مستقر ـ من التعددية السياسية والحريات المدنية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاعتراف بهذه المظاهر إلى أسطورة عن «دولة مدنية مكتملة» و«ديمقراطية مستقرة».
دستور 1923 صدر في ظل وضع لم تكن فيه مصر صاحبة سيادة كاملة على قرارها. فقد جاء بعد تصريح 28 فبراير 1922 الذي أعلن استقلال مصر مع إبقاء أربعة تحفظات بريطانية أساسية، من بينها الدفاع والاتصالات الإمبراطورية وحماية المصالح الأجنبية والسيطرة البريطانية على السودان.
أي أننا أمام استقلال ناقص، وسيادة منقوصة، واحتلال بريطاني يملك من أدوات القوة ما يجعله الطرف الأقوى عندما تتعارض إرادته مع إرادة القصر أو الأحزاب.
فأي «دولة مدنية» هذه التي يستطيع الاحتلال أن يتدخل في سياستها ويؤثر في حكوماتها، ويظل وجوده العسكري والسياسي أهم مراكز التحكم في قرارها الوطني؟
كان البرلمان موجودًا.
وكانت الأحزاب موجودة.
وكانت الانتخابات موجودة.
لكن الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط.
الديمقراطية دولة مؤسسات، وسيادة قانون، وشعب متعلم، واستقرار دستوري، وقدرة فعلية على تداول السلطة دون أن يكون القصر أو الاحتلال قادرًا على قلب الطاولة.
وهنا تكفي حقيقة واحدة لتبديد جانب كبير من الأسطورة التي تُبنى حول تلك المرحلة:
حزب الوفد، الحزب الشعبي الأكبر والأكثر ارتباطًا بالحركة الوطنية المصرية، لم يستطع أن يحكم مصر إلا سبع سنوات فقط طوال الفترة الممتدة من دستور 1923 حتى ثورة يوليو 1952.
فقد وصل الوفد إلى الحكم في فترات متقطعة، ولم يستطع أن يحول شعبيته الكبيرة إلى سيطرة مستقرة على السلطة. وكانت الحكومات الوفدية تتعرض للإقالة، والبرلمانات للحل، والدستور للتعطيل، بينما ظل القصر والاحتلال البريطاني طرفين أساسيين في معادلة الحكم.
أُلغي دستور 1923 سنة 1930، واستُبدل بدستور منح الملك سلطات أوسع، ثم عاد دستور 1923 سنة 1935.
وخلال الفترة كلها تعاقبت الحكومات بصورة تكشف هشاشة النظام السياسي واضطراب قواعد اللعبة.
إذن، نعم، كانت هناك حياة نيابية.
لكن تحويل هذه الحياة النيابية إلى نموذج ديمقراطي مكتمل ومستقر هو تزوير للواقع أكثر منه قراءة للتاريخ.
وإذا كان إبراهيم عيسى يريد أن يحدثنا عن «الدولة المدنية» و«السيادة الوطنية» في مصر الملكية، فعليه أن يتوقف أولًا أمام حقيقة لا يمكن دفنها تحت نعيق أكاذيبه: الملك فؤاد وابنه الملك فاروق كانا يحكمان مصر تحت ضغط النفوذ البريطاني المتمثل في 80 ألف جندي بريطاني يحتلون البلاد.
في عهد الملك فؤاد، لم يكن المندوب السامي البريطاني مجرد سفير يجلس في القاهرة ليراقب الأحداث من بعيد؛ فقد تدخل اللورد اللنبي في الشأن السياسي المصري بصورة مباشرة، وفرض إنذارات على الحكومات المصرية، بل وصل الأمر عام 1924، بعد اغتيال السير لي ستاك، إلى إنذار اللنبي للحكومة المصرية.
ولم يتغير جوهر المعادلة مع انتقال العرش إلى فاروق عام 1936.
في 4 فبراير 1942 بلغت التبعية السياسية للقصر واحدة من أكثر صورها فجاجة؛ إذ حاصرت القوات البريطانية قصر عابدين، ودخل السفير البريطاني السير مايلز لامبسون على الملك فاروق، حاملًا إنذارًا يقضي بتكليف مصطفى النحاس بتشكيل الحكومة، وإلا فعلى الملك أن يتحمل عواقب رفضه. وعاد السفير البريطاني في التاسعة مساءً إلى القصر برفقة قائد القوات البريطانية ومجموعة من الحرس المسلح، وقدم لفاروق وثيقة تنازل عن العرش لتوقيعها؛ فما كان من الملك إلا أن طلب مهلة واستجاب للضغط، واستدعى النحاس لتشكيل الوزارة.
وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا لكل من يبيع المصريين اليوم أسطورة «الفردوس الليبرالي»: أي سيادة وطنية هذه التي يستطيع فيها السفير البريطاني أن يحاصر قصر الملك بالدبابات، ويضع أمامه ورقة تنازل عن العرش، ثم يفرض عليه رئيس الحكومة؟ وأي استقلال هذا الذي كان الملك نفسه مضطرًا فيه إلى حساب إرادة الاحتلال قبل أن يحسب إرادة شعبه؟
وعندما تعجز السياسة… تظهر المسدسات.
إذا كانت مصر قبل يوليو نموذجًا ديمقراطيًا مستقرًا، فلماذا امتلأت الحياة السياسية في الثلاثينيات والأربعينيات بالتنظيمات شبه العسكرية والسرية والعنف السياسي؟
كان للوفد القمصان الزرقاء، وكانت «مصر الفتاة» تمتلك القمصان الخضراء، ودخلت هذه التشكيلات في صدامات ومواجهات في الشوارع، حتى أصبحت ظاهرة التنظيمات شبه العسكرية جزءًا من المشهد السياسي المصري.
ولم يكن الأمر مجرد استعراض شبابي بريء؛ فقد تحولت المنافسة السياسية في بعض مراحلها إلى صدامات جسدية واستخدام للقوة، في صورة أقرب إلى أجواء أوروبا السياسية المضطربة في ثلاثينيات القرن العشرين منها إلى الصورة المثالية للديمقراطية الليبرالية التي يحاول البعض رسمها اليوم.
ولم يكن هذا كل شيء.
فجماعة الإخوان المسلمين أنشأت النظام الخاص، وهو تنظيم سري مسلح ارتبط بسلسلة من أعمال العنف والتفجيرات الإرهابية والاغتيالات السياسية.
ومن أبرز الوقائع اغتيال القاضي أحمد الخازندار في مارس 1948، ثم اغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي في ديسمبر 1948 على يد أحد أعضاء التنظيم الخاص بعد قرار الحكومة حل الجماعة.
كما ارتبط التنظيم بقضية «السيارة الجيب» وبعدد من عمليات التفجير ومحاولات الاغتيال التي كشفت عن وجود تنظيم سري مسلح داخل جماعة كانت تعمل في الوقت نفسه كحركة سياسية واجتماعية.
وهكذا أصبح لدينا تنظيم سري يملك السلاح ويقرر من يستحق الحياة ومن يستحق الموت.
والأكثر إثارة للسخرية أن العنف السياسي لم يكن حكرًا على خصوم الملك.
فالقصر نفسه دخل هذه اللعبة.
أسس الملك فاروق تنظيمًا سريًا عُرف باسم الحرس الحديدي، كان رئيسه هو طبيب الملك الخاص يوسف رشاد، وضم مجموعة من الموالين للملك.
وارتبط التنظيم بعمليات استهدفت شخصيات سياسية وخصومًا للملك فاروق، في واحدة من أكثر الصفحات قتامة في تاريخ الملكية المصرية.
ولم يكن حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، بعيدًا عن لعبة العنف السياسي التي كانت تعصف بمصر في تلك الفترة؛ فقد اغتيل في 12 فبراير 1949، فقد أمر الملك فاروق باغتياله بعد اغتيالات الإخوان لقادة الدولة وأعمالهم الإرهابية، ونفذ البوليس السياسي عملية اغتيال حسن البنا في الاحتفال بعيد ميلاد الملك فاروق التاسع والعشرين، في مشهد يكشف مدى العنف الدموي الذي بلغته الحياة السياسية في ذلك العصر.
ولم يكتفِ الملك فاروق باغتيال حسن البنا، بل قرر حرمان الرجل حتى من جنازة عامة تليق به، ومُنعت إقامة مظاهر العزاء والتجمع حول جثمانه.
كانت مصر الملكية قد وصلت إلى مرحلة أصبح فيها الاغتيال السياسي والمنع والقمع جزءًا من أدوات الصراع على السلطة، وهو ما ينسف من أساسه الصورة الساذجة عن «العصر الليبرالي» بوصفه فردوسًا ديمقراطيًا مفقودًا كما ينعق إبراهيم عيسى.
لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن أزمة النظام السياسي نفسه.
هنا نترك القصر والبرلمان والتنظيمات والمسدسات، وننزل إلى المكان الذي يبدو أن بعض دعاة الحنين إلى الماضي ينسونه دائمًا:
إلى حياة المصري العادي.
فالدولة لا تُقاس فقط بما تفعله النخبة في البرلمان، وإنما بما يعيشه الإنسان في القرية والمصنع والحقل.
والصورة هنا كانت شديدة القسوة.
كان متوسط العمر المتوقع عند الميلاد في مصر عام 1952 نحو 39 عامًا فقط، وبلغ معدل وفيات الرضع نحو 193 وفاة لكل ألف مولود حي، وهو أعلى عدد لوفيات الأطفال في العالم.
هذه ليست مجرد أرقام.
هذه تعني أن الإنسان المصري كان يعيش في مجتمع شديد الفقر في الخدمات الصحية، وأن الطفل المصري كان يواجه احتمالات موت مرتفعة في سنوات عمره الأولى.
فأين كانت «الدولة المدنية» من صحة المصريين؟
كان النظام الصحي محدودًا، وكانت الخدمات الطبية في الريف شديدة النقص، بينما كانت مشكلات مياه الشرب والصرف الصحي والسكن غير الصحي وانتشار الأمراض من أهم مظاهر البؤس الاجتماعي.
ولم تكن الرعاية الصحية الشاملة حقًا اجتماعيًا مكفولًا لملايين المصريين.
كانت هناك مستشفيات وأطباء ومؤسسات طبية محدودة، وتوجد في المدن الكبرى فقط، وكانت الفجوة بين المدينة والريف، وبين الأغنياء والفقراء، هائلة.
فوجود مستشفى في القاهرة لا يعني أن الفلاح في الصعيد أو الدلتا كان يحصل على الرعاية الصحية التي يحتاجها.
ووجود أطباء كبار في المدن لا يعني أن الدولة كانت قد نجحت في بناء نظام صحي حديث يصل إلى عموم المصريين.
والعامل لم يكن يعيش في نعيم الطبقة العاملة الأوروبية.
كان التصنيع محدودًا، وسوق العمل هشًا، والحماية الاجتماعية محدودة، وظروف العمل والأجور موضوعًا دائمًا للصراع.
ظهرت الإضرابات والحركات النقابية والاحتجاجات العمالية، لكن الدولة لم تكن قد نجحت في بناء منظومة متكاملة للحماية الاجتماعية أو تأمين حقوق العمال.
كان العامل المصري يعمل ويكدح ثم يحصل على الفتات، بينما تظل الثروة مركزة بصورة شديدة في أيدي طبقات محدودة.
فأين كانت «الليبرالية الاجتماعية» التي يتحدثون عنها؟
كان الفلاح هو الأغلبية الساحقة من المصريين، ومع ذلك ظل الريف يعاني الفقر والمرض والجهل والتفاوت في الملكية.
كانت الملكية الزراعية شديدة التركز، وكان كبار ملاك الأراضي يتمتعون بنفوذ اقتصادي وسياسي هائل، بينما عاش قطاع واسع من الفلاحين في ظروف اقتصادية قاسية.
وفي ثلاثينيات القرن العشرين، أدت أزمة أسعار القطن إلى ضربة قاسية للدخل الزراعي، وانخفضت قيمة الإنتاج الزراعي والأجور الزراعية بصورة كبيرة.
وكانت مشكلة الأرض واحدة من أعقد مشكلات المجتمع المصري.
فأين كان مشروع العدالة الاجتماعية؟
أين كان إصلاح الملكية الزراعية؟
أين كان التعليم الريفي الشامل؟
أين كانت الخدمات الصحية التي تجعل الإنسان المصري يعيش حياة تليق بإنسانيته؟
وهذه واحدة من أكثر الحقائق إزعاجًا لأسطورة «العصر الليبرالي».
بحسب بيانات تعداد 1947، بلغت الأمية بين السكان في سن 15 عامًا فأكثر 80.1%.
أي أن نحو ثمانية من كل عشرة بالغين كانوا أميين.
وكانت الأمية بين النساء أشد قسوة، بينما ظل التعليم بعيدًا عن قطاعات ضخمة من المجتمع.
ومن المفارقات التي تكشف حجم الفقر الذي كانت تعاني منه قطاعات واسعة من المصريين في العهد الملكي أن الحفاء نفسه تحول إلى قضية عامة احتاجت إلى «مشروع قومي» لمقاومته.
في عام 1941 أطلقت حكومة حسين سري باشا «مشروع مقاومة الحفاء»، بعدما أصبح انتشار السير حفاة بين الفقراء والعمال والفلاحين وتلاميذ المدارس الإلزامية ظاهرة اجتماعية واضحة.
وكان من دوافع المشروع أيضًا أن السلطات رأت في سير الفقراء حفاة خطرًا صحيًا، خصوصًا في ظل انتشار الأمراض والأوبئة.
وتم تشكيل لجنة مركزية لجمع التبرعات وتنفيذ المشروع. وبلغت التبرعات أكثر من 36 ألف جنيه، واتخذت الحكومة إجراءات لتوفير الأحذية وتوزيعها على الفقراء.
وفي مايو 1941 أُعلن توزيع 15 ألف حذاء على تلاميذ التعليم الإلزامي والفقراء والعمال المتعطلين في عدد من المدن والأقاليم، كان نصيب تلاميذ التعليم الإلزامي منها 11 ألف حذاء.
لكن المفارقة الأكثر دلالة أن المشروع نفسه لم يقضِ على الحفاء؛ فقد ظل انتشار الحفاء مشكلة اجتماعية قائمة، واستمرت محاولات مكافحته بعد ذلك بسنوات، حتى أُنشئ في عام 1950 مصنع خاص لإنتاج الأحذية الخاصة بمشروع مكافحة الحفاء، وتأسست مؤسسة للإشراف على المشروع إداريًا وماليًا.
نحن لا نتحدث هنا عن مشروع لتعميم التعليم الجامعي، أو بناء شبكة حديثة للرعاية الصحية، أو القضاء على الفقر، وإنما عن مصر الملكية التي اضطرت إلى إطلاق مشروع قومي لكي يحصل الفقراء على حذاء يستر أقدامهم!
فما معنى نعيق إبراهيم عيسى عن «الدولة المدنية التي حطمها عبد الناصر» بينما الغالبية الساحقة من المواطنين محرومة من القراءة والكتابة والغذاء والصحة وحتى الحذاء؟
وجود برلمان شكلي لا يعني أن المواطن الأمي امتلك القدرة الفعلية على فهم النظام السياسي والمشاركة فيه.
النخبة كانت حديثة نسبيًا؛ أما المجتمع المصري فلم يكن كذلك.
ولم يكن الفشل مقتصرًا على السياسة الداخلية والاقتصاد والتعليم والصحة؛ فحتى عندما دخلت مصر اختبارًا عسكريًا مصيريًا في فلسطين عام 1948، دخلت الحرب بجيش لم يكن مستعدًا بالقدر الكافي لحرب بهذا الحجم.
فقد اتُخذ قرار دخول الحرب في توقيت متأخر للغاية، وشُكّلت «لجنة احتياجات القوات المسلحة» في 13 مايو 1948، أي قبل دخول القوات المصرية فلسطين بيومين فقط، في ظل نقص واضح في وسائل النقل والذخائر والاحتياجات اللوجستية. وتشير الوثائق إلى عجز في مئات المركبات، وأن مخزون قذائف المدفعية لم يكن يكفي إلا لفترة قصيرة، بينما كان الجيش يواجه مشكلات في الإمداد والتجهيز.
ولم تكن المشكلة مجرد «أسلحة فاسدة» جلبها الملك فاروق وأعوانه فقط؛ بل كان هناك خلل أعمق في الإعداد والتخطيط والقيادة والتجهيز. وتذكر الوقائع أن الجيش المصري لم يكن قد خاض مناورات عسكرية واسعة منذ سنوات طويلة قبل الحرب، وأن دخوله المعركة تم في ظل قصور واضح في الإعداد واللوجستيات.
دخل الجيش المصري فلسطين، وقاتل جنوده وضباطه ببسالة في مواقع عديدة، لكن القيادة السياسية والعسكرية لم تستطع تحويل تلك الشجاعة إلى انتصار عسكري حاسم.
وانتهت الحرب بهزيمة عربية كبرى، وتمكنت إسرائيل من توسيع نطاق سيطرتها إلى نحو 78% من مساحة فلسطين التاريخية.
فإذا كان النظام الملكي الذي يتغنى به إبراهيم عيسى يمثل، في زعمه، نموذج الدولة الوطنية المدنية الناجحة، فماذا فعل عندما جاءت لحظة الدفاع عن فلسطين؟
دخل حربًا بجيش يعاني نقصًا في التجهيز واللوجستيات، وبتخطيط مرتبك، وقيادة سياسية وعسكرية مثقلة بالأخطاء، وانتهى الأمر بهزيمة كشفت عمق أزمة النظام.
والأهم أن الجيش المصري نفسه كان يملك ضباطًا وجنودًا قاتلوا بشجاعة، لكن شجاعة الجندي لا تستطيع وحدها أن تعوض فشل القيادة السياسية والعسكرية.
عندما يتحدث إبراهيم عيسى عن «الدولة المدنية التي أجهضتها يوليو»، عليه أن يشرح لنا أولًا:
أي دولة يقصد؟
دولة القصر؟
أم دولة الاحتلال؟
أم دولة كبار ملاك الأراضي؟
أم دولة النخبة الحزبية؟
أم دولة الصحف والصالونات والمقاهي في القاهرة والإسكندرية؟
أم دولة ملايين الفلاحين والعمال الذين كانوا يعيشون الفقر والمرض والجهل؟
لأن مصر ليست أحياء الزمالك وجاردن سيتي ومصر الجديدة فقط.
ومصر ليست شوارع فؤاد وقصر النيل وعدلي وثروت فقط.
ومصر ليست مقهى في وسط القاهرة يجلس فيه المثقفون ويتناقشون في الديمقراطية.
مصر كانت أيضًا قرية فقيرة، وفلاحًا معدمًا، وعاملًا ضعيف الحماية، وطفلًا معرضًا للموت، وأمًّا لا تجد رعاية صحية، وشعبًا تقترب الأمية بين بالغيـه من أربعة أخماس السكان.
هذه هي مصر التي تختفي عندما نقرأ التاريخ من شرفة القصر.
فماذا أنتجت «ليبرالية» ما قبل يوليو؟
بعد نحو ثلاثة عقود من دستور 1923، كانت الحصيلة واضحة:
سياسيًا: نظام دستوري مضطرب، وصراع بين القصر والوفد والاحتلال، وسيادة وطنية لم تكتمل، وحزب الوفد نفسه لم يستطع ممارسة الحكم إلا في فترات محدودة ومتقطعة، وفشل في تحقيق استقلال مصر.
اقتصاديًا: اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة والقطن، وتصنيع محدود، وفقر مدقع لأغلبية الشعب، وتفاوت حاد في توزيع الثروة والأرض.
اجتماعيًا: فلاحون يعانون البؤس، كان الفلاح المصري هو أفقر فلاح في العالم، وعمال يفتقرون إلى الحماية الاجتماعية، وطبقات واسعة مهمشة.
صحيًا: متوسط عمر متدنٍ، ووفيات أطفال ورضع هي الأعلى في العالم، وخدمات صحية محدودة، ومشكلات مزمنة في الريف.
تعليميًا: أمية تقارب أربعة أخماس البالغين.
سياسيًا وأمنيًا: انتشار التنظيمات السرية وشبه العسكرية، والقمصان الزرقاء والخضراء، والنظام الخاص للإخوان، والحرس الحديدي المرتبط بالقصر، وسلسلة من الاغتيالات والتفجيرات وأعمال العنف السياسي.
وعسكريًا: فشل النظام الملكي في إعداد الجيش المصري بصورة كافية لحرب فلسطين، وانتهت الحرب بهزيمة عربية كبرى، بينما توسعت إسرائيل إلى نحو 78% من مساحة فلسطين الانتدابية.
هذه هي الصورة التي ينبغي أن تُوضع أمام أي حديث جاد عن «العصر الليبرالي».
ليس المطلوب أن نقدس ثورة يوليو.
ولا أن نحول عبد الناصر إلى معصوم من الخطأ.
لكننا لا نحتاج إلى اختراع فردوس ليبرالي لم يكن موجودًا أصلًا لكي تهاجم يوليو.
ما يطرحه إبراهيم عيسى عن «الدولة المدنية التي أجهضتها ثورة يوليو» لا ينم عن قراءة نقدية للتاريخ، وإنما ينم ـ قبل أي شيء ـ عن جهل فادح بطبيعة المرحلة التي يتحدث عنها، وترصد واضح ضد ثورة يوليو، ومحاولة مكشوفة لتزوير التاريخ بإعادة تركيب الماضي وفق تصوراته القاصرة.
والأكثر إثارة للسخرية أن الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها إبراهيم عيسى لم تكن لتجد أبواب التعليم والترقي الاجتماعي مفتوحة أمامها بالصورة التي عرفتها مصر لاحقًا، لولا التحولات العميقة التي أحدثتها ثورة 23 يوليو وسياساتها في مجانية التعليم وتوسيع قاعدة التعليم وإتاحة فرص الصعود الاجتماعي لأبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة. ومع ذلك، يقف عيسى اليوم فوق أنقاض تلك التحولات التي استفاد منها شخصيًا هو وعائلته، ناعقًا ضد الثورة التي وسّعت المجال أمام طبقات لم يكن النظام الملكي قد منحها أصلًا فرصة عادلة للصعود.
نعيق إبراهيم عيسى، مهما علا من حنجرته، لن يملك أن يغيّر حقيقة التاريخ، ولن يستطيع أن يحوّل مصر التي سبقت ثورة عبد الناصر إلى «فردوس مدني مفقود» بمجرد ترديد هذه الأسطوانة البالية.

Scroll to Top