نوستالجيا ناصرية

نوستالجيا ناصرية

بقلم أ/ حمدى رزق

وقبل أن يدهمنى السؤال الصعب، وكيف يكتب من لم يعش أيام ثورة يوليو عن ثورة لم يرها، ولم يعاصر أحداثها، وكيف يصير من دراويشها، ويعيش على ذكراها، ذكريات عبرت أفق خيالى بارقا يلمع فى جنح الليالى.

نكتب ومثلى كان نسيا منسيا فى عزبة قصية فى مدينة مختفية من على خارطة القطر الكبير، فشب عن الطوق فإذا بناصر يخبره من القبر يا بنى إن التعليم حق لكم كالماء والهواء، وإن المصريين جميعا سواء، وما نيل المطالب بالتمنى ولكن تأخذ الدنيا غلابا.

منحنى ابن البوسطجى العظيم، منح ابن الفلاح الطيب جواز مرور إلى العاصمة الكبيرة، وكانت العاصمة ووظائفها حكراً على أبناء الأعيان، صار ابن البوسطجى رمزا كريما، نتقفى أثره فى المشوار الصعيب، وصار علما منقوشا على القلوب فى الصدور، وصار بيت شعر مغنى، ويا جمال يا مثال الوطنية.

أنا هو ومن غيرى وهو يرفل فى رغد الحياة التى أتاحها هنية ناصر للأولاد والأحفاد، نعم والدى لم يشاهد عبدالناصر، ولم يحادثه إلا فى الحلم الأخضر، كان يترحم عليه عندما يدخل الليل البيوت فيرها مستورة، فيخجل منسحبا تاركا النور يتسلل إلى النفوس، يتمتم بعد شكر الله سبحانه وتعالى، الله يرحمه ويبشبش الطوبة اللى تحت راسه جمال بن حسين.

والدى لم يكن ناصريا قط، ولم يلف رأسه يوما بشال عبدالناصر، ولم يرتدِ يوما قميص عبدالناصر تحت الجلد، ولا تاجر باسم الزعيم والتجارة باسمه كانت رابحة وتربح منها كثيرون.

أنا ابن أبيه، ومثلى كثير، من مشت والدتى فى جنازته خلف نعشه وهى تندب رحيل الأب والأخ، والعزوة والسند والجمل، جمل الحمول، نعته يومها وكأنها تحفظ ما جادت به قريحة المعددة من العديد، ولو سجل العديد فى رحيل الزعيم لكان كتاب الحزن يفطر الوجدان. ماتت أمى وهى تدعو لناصر، لأنه لم يبخل عليها من خير مصر كغيرها من الفضليات، كان إنسانا، وتلونت ثورته بالإنسانية والكرامة الإنسانية التى كان ذروة سنامها عطفته على الفقراء.

أنا ومن غيرى لم يسمع من خطبه بالأبيض والأسود إلا كل اعتزاز بهذا الشعب العظيم، وكان يحبهم لله فى لله، كان مفطورا على حب الفقراء، وأنا منهم، وأنت منهم، وهو منهم، سمعت منه وعنه ما هو طيب، طيّب الله ثراه.

ما تركه ناصر فينا كثير، بالأفعال لا بالأقوال، يكتب عنه وعن ثورته من تحصل والده على خمسة أفدنة بعقد تمليك أخضر، أول مرة فلاح مصرى يملك طينا، قبلها كان مغروزا فى الطين، وشايل الطين، وطين البرك على كعابه المشققة من لفحة أرض الهجير، وزوجته تخدم فى الوسية، خدمة العبد للسيد، كان يزرع وغيره يحصد حبات العرق من على جبينه، يبيع تعبه وشقاه فى المزاد الكبير، أخيرا أكل والدى ووالدك مما زرعت يداه، وكفاه ناصر سؤال اللئيم.

أنا هو، ومثلى كثير، منهم من تحصل والده العليل على معاش، وعاش بجنيهات المعاش، جنيهات تقمن صلبه، وتعينه على الحياة، وربّى أولاده من حلال، وعاش على سيرة الثورة، مخلصا لشعاراتها وإن لم يحسن الكلام مطرز بالعبارات الفخيمة، لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو فضل، وكان فضل ناصر ويوليو على جيلنا وأجيال سبقت وأجيال لم تولد بعد فضلا عظيما.

Scroll to Top