عبد الناصر في مؤتمر الخرطوم 1967 المجد للبطل المهزوم
بقلم: عمـرو صـابح
نشرت مجلة «نيوزويك» الأمريكية في عددها الصادر في 11 سبتمبر 1967 تقريرًا مطولًا عن قمة الخرطوم التي انعقدت بعد هزيمة يونيو بأشهر قليلة، واختارت له عنوانًا لافتًا:
«الشرق الأوسط: المجد للبطل المهزوم».
لم يكن هذا العنوان مجرد توصيف صحفي، بل كان تعبيرًا عن ارتباك في الوعي السياسي الغربي أمام مشهد لا يخضع بسهولة لمنطقه التقليدي في تفسير القوة والهزيمة.
في الحسابات السياسية في واشنطن، كانت الصورة تبدو محسومة: هزيمة عسكرية ساحقة، شرخ في هيبة النظام المصري، وانكشاف مشروع قومي أمام اختبار قاسٍ. ومن ثم كان المتوقع أن تتراجع مكانة جمال عبد الناصر، وأن تنكسر صورته القيادية تحت وطأة الهزيمة.
غير أن ما لم تستوعبه تلك الحسابات هو أن جمال عبد الناصر لم يكن مجرد رئيس دولة، بل كان في الوعي الجمعي العربي حالة رمزية تتجاوز حدود المنصب وحدود المعركة.
في الخرطوم، لم يظهر عبد الناصر كقائد مهزوم، بل كصورة مكثفة لوجدان جمعي لم يُهزم. الحشود التي استقبلته لم تكن تُعيد إنتاج لحظة بروتوكول سياسي، بل كانت تعبيرًا عن تمسك شعبي بفكرة أوسع من نتائج الحرب: فكرة الكرامة التي لا تُختزل في ميزان عسكري، والانتماء الذي لا يتبدد بهزيمة ميدانية.
هنا يتضح الفارق بين رؤيتين: رؤية غربية ترى الزعيم بوصفه نتاج القوة العسكرية، ورؤية عربية ترى فيه تجسيدًا لحلم تاريخي ممتد.
في الأولى، يسقط القائد بسقوط جيشه، وفي الثانية قد تنكسر الجيوش ويبقى المعنى قائمًا في الوعي الجمعي.
لذا لم تكن قمة الخرطوم مجرد اجتماع عربي لاحتواء آثار الهزيمة، بل لحظة إعادة ترتيب للوعي السياسي في المنطقة. فقد تراجعت التوترات العربية-العربية أمام حقيقة مركزية فرضت نفسها: أن الصراع الأساسي لم يعد داخليًا، بل بات مرتبطًا بطبيعة الاحتلال نفسه ونتائج حرب يونيو.
في الخلفية، كانت مصر تواجه وضعًا بالغ التعقيد: قناة السويس مغلقة، الموارد السيادية متأثرة، وعبء إعادة بناء الجيش يثقل الدولة سياسيًا واقتصاديًا. وقد ظنت دوائر عديدة في الخارج أن هذا الضغط سيدفع إلى تفكك تدريجي في بنية نظام عبد الناصر، وإلى تراجع دوره القيادي عربيًا. غير أن ما حدث في الخرطوم جاء معاكسًا لهذا التصور.
فبدل الانكماش، ظهر نمط من إعادة التموضع العربي، حيث جرى دعم مصر اقتصاديًا وسياسيًا من الدول العربية النفطية، بما أعاد توزيع الأعباء داخل النظام الإقليمي. لم تكن المسألة مجرد مساعدات مالية، بل كانت تعبيرًا عن إدراك جماعي بأن توازن المنطقة نفسه بات مرتبطًا باستمرار قدرة مصر على الصمود.
غير أن اللحظة الأكثر دلالة في القمة لم تكن في تفاصيل الدعم أو ترتيبات التعاون، بل في الصيغة السياسية التي خرجت بها، والمعروفة بـ«اللاءات الثلاث»: لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض. هذه الصيغة لم تكن بيانًا دبلوماسيًا تقليديًا، بل إعلانًا سياسيًا مكثفًا يرفض تحويل الهزيمة العسكرية إلى شرعية سياسية دائمة.
في هذه النقطة تحديدًا يتجلى معنى عبد الناصر في الخرطوم. فهو لم يكن يتحدث فقط باسم دولة خرجت من حرب، بل كان يعيد صياغة معنى خسارة معركة داخل الوعي العربي ذاته.
فالهزيمة، وفق هذا المنطق، ليست نهاية المسار، بل لحظة اختبار لمدى صلابة الإرادة واستمرار الفكرة.
لقد أخطأت القراءة الغربية حين تعاملت مع عبد الناصر بوصفه قائدًا تقاس شرعيته بنتائج المعارك وحدها. بينما كان حضوره في الوعي العربي قائمًا على قدرته على تمثيل لحظة تاريخية أوسع، يتحول فيها الفرد إلى رمز لجماعة تبحث عن ذاتها وسط التحولات العنيفة.
وهكذا، خرجت «نيوزويك» وهي تحاول تفسير استمرار حضور عبد الناصر رغم الهزيمة، لكنها – من دون قصد – وثّقت حقيقة أعمق: أن الرجل لم يكن مجرد قائد سياسي، بل أصبح بنية رمزية داخل الوعي العربي، وأن الهزيمة لم تُنهِ هذا الدور، بل كشفت عمقه وتجذره.
وفي الخرطوم، لم يكن عبد الناصر منتصرًا بالمعنى العسكري، ولكنه كان منتصرًا بالمعنى السياسي بعد استقبال الجماهير السودانية له، الذي أظهره باعتباره التجسيد الحي لروح المقاومة في أمة لم تكن تبحث عن تبرير للهزيمة، بل عن إمكانية الاستمرار بعدها.
ترجمة للصفحة الأولى من تقرير مجلة نيوزويك عن عبد الناصر في مؤتمر الخرطوم 1967 بعنوان:
المجد للبطل المهزوم المنتصر
(Mideast: Hail the Conquered Hero)
الشرق الأوسط: المجد للبطل المهزوم
قبل أقل من تسعين يومًا، كان قد تسبب في واحدة من أسوأ الكوارث التي حلت بالعالم العربي. ففي مقامرته القاتلة مع إسرائيل، قُتل ما لا يقل عن خمسة عشر ألف عربي، ودُمِّرت أو استولت إسرائيل على معدات عسكرية عربية تقدر قيمتها بنحو ملياري دولار، وسقطت مساحة تقارب 26 ألف ميل مربع من الأراضي العربية في أيدي العدو.
ومع ذلك، ففي الأسبوع الماضي، دخل جمال عبد الناصر مدينة الخرطوم في موكب يشبه مواكب المنتصرين العظام، مستقلاً سيارة رولز رويس فاخرة، بينما كانت حشود السودانيين تهتف له وتستقبله كبطل منتصر.
«يعيش ناصر»، هتفت الجماهير، وبعد دقائق فقط، عندما ظهر الملك فيصل ملك السعودية، الذي كان قد أبقى بلاده بعيدة عن تلك الحرب الكارثية، تعرض هو الآخر لنوبات الهتاف نفسها، إذ أخذت الجماهير تردد: «ناصر! ناصر!» وترفع صور الرئيس المصري أمام وجه الملك المتجهم.
من الواضح أن الهزيمة لم تُضعف الحماس الذي يثيره ناصر في الشارع العربي، كما أن خيبة الأمل لم تُطفئ بريق عينيه أو حدة لسانه اللذين استطاع بهما أن يدفع أتباعه إلى معارك تبدو ميؤوسًا منها.
لكن في الخرطوم الأسبوع الماضي، حيث اجتمع قادة العالم العربي في قمتهم المؤجلة التي ضمت ثلاثة عشر بلدًا، بدا أن ناصر يحمل في ذهنه شيئًا مختلفًا. فلم يكن يبحث عن الجماهير أو المنابر العامة، بل عن الأحاديث الخاصة والمباحثات المباشرة مع زعماء العرب. وكانت رسالته أكثر اعتدالاً من السابق: المصالحة بين العرب، والتعامل بواقعية أكبر مع إسرائيل.
المصالحة العربية أولاً
في هذا الجانب، أثبت ناصر سريعًا أنه جاد.
فلمدة خمس سنوات كانت مصر والسعودية تقفان على طرفي نقيض في الحرب الأهلية اليمنية. وأصبحت الحملة المصرية في اليمن عبئًا ثقيلًا على موارد القاهرة، بينما منع انعدام الثقة بين ناصر وفيصل أي هدنة حقيقية.
وأخيرًا، وبعد أسابيع من الجهود الدبلوماسية، نجح رئيس الوزراء السوداني محمد أحمد محجوب في جمع الرجلين في منزله بالخرطوم. وبعد ساعتين فقط خرجا باتفاق يقضي بوقف الدعم الذي كان يقدمانه للفصائل اليمنية المتحاربة.
لكن التسوية اليمنية، رغم أهميتها، لم تكن سوى إنجاز جانبي. أما الحدث الرئيسي فقد جرى خلف الأبواب المغلقة في فندق السودان الحديث، حيث عقد القادة العرب اجتماعات سرية لمناقشة السؤال الأهم:
ماذا ينبغي أن يفعل العرب تجاه إسرائيل؟
والمفاجئ لكثيرين أن أحد أبرز الأصوات الداعية إلى الاعتدال كان ناصر نفسه.
نحو تسوية سياسية؟
كانت خطة الرئيس اليوغوسلافي جوزيب بروز تيتو قد طُرحت للنقاش، وتنص على عودة إسرائيل إلى حدود ما قبل الحرب تحت ضمانات الأمم المتحدة أو القوى الكبرى.
وفي المقابل، ينهي العرب حالة الحرب مع إسرائيل (من دون اعتراف دبلوماسي كامل بها)، ويسمحون للسفن الإسرائيلية بالمرور عبر مضيق تيران، كما تُفتح قناة السويس أمام السفن التي تحمل بضائع إسرائيلية بشرط ألا ترفع العلم الإسرائيلي.
لكن رغم تبني ناصر وبعض القادة المعتدلين لهذا التوجه، لم يُظهر أغلب المشاركين في قمة الخرطوم حماسًا كبيرًا لا لمواصلة الحرب ولا لدعم جهود السلام.
وكانت الانقسامات العربية واضحة؛ إذ رفض الوفد السوري حتى حضور جلسات القمة، كما قاطعها الرئيس الجزائري هواري بومدين وأرسل وزير خارجيته عبد العزيز بوتفليقة بدلًا منه.
وفي النهاية اتفق المجتمعون على عدة قرارات رئيسية:
استئناف تصدير النفط إلى الغرب.
استخدام العائدات لإعادة بناء الاقتصادات العربية وتعويض مصر عن إغلاق قناة السويس.
طرد جميع القواعد الأجنبية الأمريكية والبريطانية والفرنسية من الأراضي العربية.
رفض أي تسوية تتضمن الاعتراف بإسرائيل.
معارضة داخلية
المفاجأة الأكبر لناصر لم تكن المعارضة التي واجهها في الخرطوم، بل المعارضة التي بدأت تظهر داخل مصر نفسها.
فبرغم أن شعبيته لم تنهَر بعد هزيمة يونيو، فإن ولاء الجيش لم يعد مضمونًا كما كان من قبل.
أكثر من 700 ضابط مصري تعرضوا بعد الحرب للإقالة أو النقل أو إجراءات تأديبية مختلفة، وهو ما تسبب في حالة من التذمر داخل المؤسسة العسكرية.

- تُظهر الصورة غلاف مجلة نيوزويك الصادر في 11 سبتمبر 1967، والذي تصدرته صورة الرئيس جمال عبد الناصر تحت عنوان: “الشرق الأوسط يغلي على نار هادئة”، إلى جانب الصفحة الأولى من تقرير المجلة عن مؤتمر القمة العربية بالخرطوم عام 1967، الذي حمل عنوان: “المجد للبطل المهزوم”.
