تأميم قناة السويس أعظم مكسب اقتصادي مصري

تأميم قناة السويس أعظم مكسب اقتصادي مصري
28 مليون جنيه للمساهمين وأكثر من 153 مليار دولار لمصر
بقلم: عمرو صابح

منذ أن أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس العالمية في 26 يوليو 1956، لم يتوقف الجدل حول القرار الذي هزّ الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، وأشعل العدوان الثلاثي على مصر.
ويحرص خصوم عبد الناصر حتى اليوم على التذكير بأن مصر دفعت تعويضات لحملة أسهم الشركة الأجنبية، وكأن هذا الأمر يمثل إدانة للقرار أو انتقاصًا من قيمته التاريخية والاقتصادية. لكنهم غالبًا ما يتوقفون عند الرقم الأول، ويتجاهلون الرقم الثاني.
فقد حصل حملة أسهم شركة قناة السويس على تعويضات بلغت نحو 28.3 مليون جنيه مصري، دفعتها الدولة المصرية كاملة وفقًا للقانون الدولي، وأُغلِقَ بها ملف ملكية الشركة الأجنبية نهائيًا.
كان ذلك هو كل ما حصل عليه المساهمون.
أما مصر، فقد حصلت على القناة نفسها.
والأهم من ذلك أن المقارنة بين التعويضات والعوائد بدأت مبكرًا جدًا. فبعد إعادة فتح القناة للملاحة في مارس 1957، أصبحت رسوم العبور تدخل إلى الخزانة المصرية مباشرة بدلًا من أن تذهب إلى الشركة الأجنبية ومساهميها. وخلال السنوات العشر التالية، وحتى إغلاق القناة بسبب حرب يونيو 1967، حققت مصر من رسوم العبور ما يقارب مليار جنيه مصري بأسعار ذلك الزمن. أي أن الدولة المصرية استردت قيمة التعويضات التي دفعتها لحملة الأسهم عشرات المرات خلال عقد واحد فقط. فبينما خرج أصحاب الأسهم من المشهد حاملين تعويضاتهم، بقيت القناة في مصر تدر على الدولة أموالًا تجاوزت خلال عشر سنوات فقط عشرات أضعاف ما حصلوا عليه، لتكشف الأرقام أن ما اعتبره خصوم التأميم خسارة كان في الحقيقة استثمارًا تاريخيًا في السيادة والثروة الوطنية.
لكن هذه لم تكن سوى البداية.
فعلى الرغم من إغلاق القناة بين عامي 1967 و1975 بسبب الاحتلال الإسرائيلي لسيناء، فإن القناة عادت للعمل بعد حرب أكتوبر واستمرت في تحقيق عوائد متزايدة عامًا بعد عام، حتى تحولت إلى أحد أهم مصادر الدخل القومي المصري وأحد أهم روافد النقد الأجنبي للدولة.
واليوم تكشف الأرقام الرسمية حجم الفارق الهائل بين ما حصل عليه حملة الأسهم وما حصلت عليه مصر. فوفقًا لبيانات هيئة قناة السويس، تجاوزت الإيرادات التراكمية للقناة 153 مليار دولار منذ عام 1956 حتى عام 2025
أي أن المقارنة الحقيقية ليست بين شركة أُمِّمت وتعويض دُفِع، بل بين:
28.3 مليون جنيه مصري حصل عليها المساهمون مرة واحدة وانتهى الأمر.
نحو مليار جنيه مصري دخلت الخزانة المصرية خلال السنوات العشر الأولى بعد التأميم.
أكثر من 153 مليار دولار حصلت عليها مصر من القناة منذ التأميم وحتى اليوم.
وهنا تتضح الحقيقة التي كثيرًا ما تغيب وسط السجالات السياسية.
فالتعويضات كانت تكلفة دفعتها مصر مرة واحدة، أما القناة فكانت أصلًا استراتيجيًا ظل يدر عوائد متواصلة على الدولة المصرية لعقود طويلة. ولذلك لم يكن التأميم مجرد قرار اقتصادي، بل كان استردادًا لثروة وطنية ظلت لعقود طويلة تذهب أرباحها إلى الخارج.
لقد غادر المساهمون ومعهم تعويضاتهم، وبقيت القناة في مصر.
وبعد سبعين عامًا تقريبًا من قرار التأميم، لا تزال الأرقام نفسها تنطق بالحقيقة: ما حصل عليه أصحاب الأسهم كان ملايين معدودة، أما ما حصلت عليه مصر فكان عشرات المليارات من الدولارات وسيادة كاملة على أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
ولهذا لم يكن تأميم قناة السويس مجرد حدث في التاريخ المصري، بل أحد أكثر القرارات الاقتصادية والسيادية نجاحًا في تاريخ مصر الحديث. فحين ننظر إلى حصيلة ما تقاضاه المساهمون الأجانب وما جنته مصر من القناة منذ استردادها، ندرك أن معركة التأميم لم تكن معركة حول شركة أو أسهم أو رسوم عبور، بل كانت معركة على حق أمة كاملة في السيطرة على مواردها وثرواتها ومستقبلها.


المراجع:
Suez Canal Authority
التقارير السنوية للإيرادات والإحصاءات الرسمية
suezcanal.gov.eg
Encyclopaedia Britannica – Suez Crisis
britannica.com
IMF Country Reports – Egypt
World Bank – Egypt Infrastructure & Transport Sector Studies

Scroll to Top