-الطريق الى انقلاب السادات في مايو 1971 كما رصده السفير السوڤياتي ڤلاديمير فينوجرادوف في كتابه “مصر من ناصر إلى حرب أكتوبر .. من أرشيف سفير”.
ما يلي هو التفريغ النصي الحرفي للصفحات : 35-40 :
” وفي نفس الوقت، كان هناك أمر آخر أثار إعجابي أيضًا وهو الإحساس الواضح بشعور المصريين، حتى البسطاء منهم، بأنهم #سادة_هذا_البلد، وكان هذا الشعور يتجلَّى في الكثير من الأمور، سواء الكبيرة أو الصغيرة، وخاصةً في السلوك اليومي وفي الأحاديث العادية والحميمة وفي كرم الضيافة التلقائي البعيد عن التكلُّف، وكذلك في #التفاؤل_وعزة_النفس، وأخيرًا في القدرة على تحمُّل المصائب بروح ساخرة. ليس من قبيل المصادفة أن شاعت هذه الطرفة الساخرة التي تقول إن نابليون هُزم في مصر بفضل النكات التي استهدفه بها المصريون. وفي هذا السياق، راح المصريون يلاحقون السادات بالنكات منذ أن تولَّى منصب الرئيس. واحدة منها ذات مغزًی خفي تقول: إن الرئيس السادات استقلَّ سيارة الرئيس الراحل ناصر، وعند مفترق الطرق سأله السائق: إلى أين نتجه؟ يمينًا أم يسارًا؟
فسأله السادات باهتمام: وفي أي اتجاه كان يسير ناصر؟
أجاب السائق: «يسارًا.»
عندئذٍ قال السادات: «حسنًا، أعط إشارة الدوران إلى اليسار، ثم .. انطلق يمينًا.»
كان ممَّا أثار دهشتي أيضًا هذه المشاعر #الودية_الجارفة التي يُكِنها المصريون للروس، وخاصةً تجاه الخبراء الذين كانوا يشاركونهم العمل في بناء محطة القوى الكهرومائية العملاقة في أسوان، وفي بناء #مجمع_الحديد_والصلب في حلوان بالقرب من القاهرة، وفي المصانع الأخرى والمشروعات الزراعية، وفي الجيش بطبيعة الحال. كان سد أسوان ( #السد_الغالي) يبدو من الطائرة على هيئة مشط نصف دائري مغروس وسط صحراء صفراء حارة مترامية الأطراف تتدفَّق المياه منه بلون الصلب الرمادي، ومن خلفه ترامت بحيرة عملاقة هي «بحيرة ناصر»، ومن الناحية الأخرى امتدَّ نهر النيل شريطًا قاتم اللون.
في يناير عام 1971 ، تمَّ الاحتفال رسميًّا بانتهاء العمل في السد ومحطة الكهرباء التي راحت تُعطي آنذاك نصف الطاقة الكهربائية التي تُنتجها أفريقيا كلها. عُزفت الأوركسترا ورفرفت الأعلام وعُلِّقت الملصقات وعُقدت اللقاءات الجماهيرية.
انتهى بناء المشروع العملاق الذي حاولت الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا الاتحادية إفشاله؛ وذلك بفضل المساعدة #النزيهة التي قدَّمها الاتحاد السوفييتي، الذي كان عليه القيام بحل المشكلات العلمية والفنية. لقد أقدم ناصر في شجاعة على التعاون الوثيق مع الاتحاد السوفييتي، وها هي أسوان وقد أصبحت تُمثِّل قمة هذا التعاون. لقد باتت أسوان رمزًا للحكمة الاقتصادية وإصرار ناصر، فضلًا عن أنها جسَّدت رؤيته السياسية.
لقد تسنَّى للسادات ( الوريث غير الشرعي) افتتاح السد ومحطة القوى الكهربائية. وعلى اللوحات التذكارية التي أُقيمت على السد ومحطة الكهرباء تخليدًا لهذا الحدث البارز اختفت أية إشارة للاتحاد السوفييتي ودوره في تشييدها؛ فقد كُتب: «بمشيئة الله ومساعدة أصدقائنا قمنا ببناء السد العالي الذي افتتحه الرئيس محمد أنور السادات.»
مَن هؤلاء الأصدقاء؟!
لعل أحفاد المصريين يبحثون بأنفسهم !
لكننا رأينا مقدار الفرحة الصادقة التي حيَّا بها البُناة المصريون أصدقاءهم الروس أثناء الاحتفال. كان المصريون يعلمون جيدًا ما الذي قدَّمه الاتحاد السوفييتي؛ مصدرًا هائلًا للطاقة، ضوءًا في البيوت، أمانًا من الجفاف والفيضانات، وفرة في صيد الأسماك، آلاف الفرص للعمل …
وبنفس مشاعر الفرح الصادق، قابل المصريون السوفييت لحظة تدشين أول سفينة صيد بُنيت في مصر في ترسانة الإسكندرية التي أُنشئت بمساعدة الاتحاد السوفييتي، حتى إن المصريين قاموا بتسلُّق أبراج الأوناش والجلوس على الخطاطيف المتأرجحة.
وأمام الساحة الصغيرة التي جرت فيها مراسم تدشين السفينة ذبح المصريون وفقًا لتقاليدهم الشعبية، عجلًا، وراح العشرات من العُمال يغمسون أكفهم في الدم الطازج ابتهاجًا بهذا الحدث الكبير.
لعل المهمة الأولى التي يحرص كل سفير جديد على القيام بها هي إقامة العلاقات والروابط مع الشخصيات القيادية المحلية ورؤساء البعثات الدبلوماسية، وهؤلاء عددهم ليس بالقليل، وهو ما يعني في الواقع زيارات تتلوها زيارات، فضلًا عن ضرورة استقبالهم عندما يقومون برد الزيارة. إنه جهد غیر عادي، خاصةً عندما تقع أحداث أو تنفجر مشكلات لا تحتمل الانتظار، وهذه كانت تزداد يومًا بعد الآخر.
لقد نجحتُ في وقت قصير في التعرُّف، بالدرجة الأولى، على غالبية الشخصيات القيادية في البلاد، ومن بينهم علي صبري وحسين الشافعي، نائبا الرئيس، والدكتور محمود فوزي رئيس الوزراء (وهو واحد من أقدم السياسيين منذ عهد الملك السابق فاروق)، ومحمود ریاض وزير الخارجية، ومحمد فوزي وزير الحربية، ولبيب شقير رئيس مجلس الأمة، وشعراوي جمعة أمين اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي ووزير الداخلية، وسامي شرف وزير شئون رئاسة الجمهورية (وكان في الواقع المُنسِّق لنشاط المخابرات ومكافحة التجسس)، وعدد آخر من الشخصيات. كان هؤلاء هم المقربون من ناصر في سنواته الأخيرة.
كانوا أناسًا ودودين للغاية، بعث بهم ناصر عدة مرات إلى موسكو وكانوا يُشاركونه في المباحثات، وقد توطَّدت بيني وبينهم علاقات عمل جيدة.
لم يكن ذلك كافيًا، بطبيعة الحال؛ لكي أُحيط بالأوضاع في البلاد بشكل تام. لقد كانت معظم الأمور تتوقَّف على الرئيس نفسه. جدير بالذكر أن السادات أكَّد لألكسي كوسيجين ولي أيضًا أن العلاقات بين بلدَينا لن يمسَّها أي تغيير، بل إنها ستزداد قوةً ورسوخًا.
على أنه سرعان ما تراكمت السحب في الأفق. وفي لمح البصر اختفت لدى الرئيس الجديد الصراحة والثقة في علاقاته بنا، تلك الصفات التي ميَّزت ناصر ، ليحل محلهما الشك والسخط لسبب أو آخر.
كانت ظاهرةً غريبة استمرت لفترة ما دون تفسير؛ فالاتحاد السوفييتي آنذاك لم يُغيِّر سياسته الودية البَنَّاءة تجاه مصر، ولم يكن هناك تصرُّف واحد ملموس يمكن أن يعكس أي شكل من أشكال التغيُّر.
تُرى هل كان ذلك يعني تغيُّرًا في مزاج ونهج وسياسة الرئيس الجديد؟ لم يكن من السهل مطلقًا الإجابة آنذاك، بشعور بالمسؤولية، على هذا السؤال البالغ الأهمية بل والحاسم إذا جاز التعبير. وتمثَّلت صعوبة الإجابة أيضًا في أن غالبية الشخصيات السياسية ورجال الدولة الذين ظلُّوا في مناصبهم بعد رحيل ناصر كانوا متمسكين بعلاقاتهم الودية تجاه الاتحاد السوفييتي. على أنه وبعد مرور شهرَين أو ثلاثة، بدأ جزء من هؤلاء المسؤولين — وهو جزء ضئيل في الواقع — في ترديد أقاويل السادات المُتعسِّفة وافتراءاته على الاتحاد السوفييتي، وهي أقاويل لا تقوم على أساس، وخاصةً فيما يتعلق بالمسائل العسكرية. وفجأة، إذا بنا أمام مقال في صحيفة أو في إحدى المجلات، حيث يعمل نفر من أصدقاء السادات أو شركائه في الفكر، يتحدَّث عن نقص صفقات الأسلحة السوفييتية أو عن تدني المستوى الفني لها، ويَخلُص «الخبير #المجهول» إلى أن أجهزة الكمبيوتر توصَّلت إلى أن «حالة اللاسلم واللاحرب» القائمة مع إسرائيل لا يستفيد من ورائها سوى الاتحاد السوفييتي. لم تكن هذه الحملات لتهدف إلا إلى بذر روح الهزيمة لدى المصريين وتشكيكهم في قواتهم المسلحة وإهالة التراب على أصدقائهم. كان هذا التوجُّه المُلَفَّق والمصطنع واضحًا تمام الوضوح؛ فالمصريون، فضلًا عن أعدائهم ذاتهم، كانوا يعلمون جيدًا قدر المساعدات الهائلة التي قدَّمتها بلادنا من أجل رفع القدرة الدفاعية للجيش المصري والمساهمة الحاسمة في دعمه والوصول بها إلى مستوًى قتالي رفيع.
على أن البعض لم يُدرك على الفور أن هذا التوجُّه قد بدأ مُبكِّرًا للغاية بهدف تبرير تراجع مصر عن نضالها ضد الإمبريالية والقيام بتلك التغييرات في السياسة الداخلية والخارجية التي أضمرها السادات ثم أقدم على تنفيذها مؤخرًا.
وفي الوقت نفسه، أصبح الخلاف واضحًا بين الرئيس والغالبية الكبرى من القيادات، التي كانت تشغل مناصب بارزةً في الحكومة وفي الاتحاد الاشتراكي العربي. وفي الشأن الداخلي، قاد الرئيس اتجاهًا يهدف إلى التقليص الحاد لنشاط ومهام الاتحاد الاشتراكي العربي، الذي كان هو المنظمة السياسية الجماهيرية الوحيدة في مصر، والتي كانت قائمةً على أُسس أيديولوجية تقدُّمية. وإذا كان ناصر يحلم بأن يُخرج من رحم هذه المنظمة تنظيمًا سیاسيًّا باسم «#طليعة_الاشتراكيين»، فإن السادات قد سعى إلى #حلِّه.
أدرك السادات بسرعة أنه لن يستطيع أن يُخضِع بمفرده اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي العربي، فقد تشكَّلت داخل هذه اللجنة منذ ناصر ما يمكن اعتباره #قيادةً_سياسية_جماعية. وعلى سبيل المثال، فقد انتهت واحدة من أفكار السادات في اتخاذ خطوات عملية نحو إقامة وحدة فيدرالية تجمع كلًّا من مصر وسوريا وليبيا ( اتحاد الجمهوريات العربية ) تحت قيادة مصر، بطبيعة الحال، انتهت بالنسبة له في اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي بحالةٍ من الفوضى. كانت هذه الفكرة الفجة والتي طُرحت، علاوةً على ذلك، دون تشاور مع أي من قيادات البلاد، مثارًا للسخرية بين أعضاء هذه اللجنة، وهو ما أثار سخط السادات بالطبع الذي رأى أن على الجميع أن يمتثلوا لكل ما يقول.
تسنَّى لي حضور مؤتمرَین عجيبَين عقدهما الاتحاد الاشتراكي العربي؛ الأول في نوفمبر عام 1970 ، حضره أعضاء اللجنة المركزية للاتحاد الذين تمَّ انتخابهم في عهد ناصر. امتلأت قاعة الاحتفالات الكبرى في جامعة القاهرة، حيث عُقد المؤتمر، بجمهور ارتدى غالبيته #ملابس_بسيطة راحوا يتصرَّفون بحرية ودون تكلُّف، بينما تصاعدت في القاعة أعمدة دخَان السجائر، وعبر هذا الدخَان وعلى نحو فني تسلَّلت أشعة المصابيح المصاحبة للكاميرات التي أخذت في التقاط الأفلام التسجيلية وصور الوجوه والشخصيات الحاضرة في المكان. كان الموقف بأكمله يخلق انطباعًا مباشرًا بأن الحضور هم بالفعل مُمثِّلو الشعب الذي نال استقلاله غير بعيد، وربما، لم يكونوا يُمثِّلونه بدقة كما كان ينبغي، ولكنهم كانوا أُناسًا واثقين من أنفسهم بعد أن أصبحوا #سادةً في بلادهم، وأنهم ما داموا كذلك فسيجدون حتمًا الطريق الصحيح.
في يوليو من عام 1971 ( بعد انقلاب مايو 1971 بشهرين فقط ) كان الجمهور الذي حضر مؤتمر الاتحاد الاشتراكي العربي في قاعة الاحتفالات الكبرى #مختلفًا_تمامًا. كان أغلبهم من الذين يميلون في الواقع لنهج السادات #المُعادي لعبد الناصر. نفس القاعة تشهد الآن أناسًا يرتدون #ملابس_فاخرة، مُعتدِّين بأنفسهم على نحو ظاهر، على الرغم من حضور شخصيات أخرى في ملابسهم الشعبية، وتعكس ملامحهم روح البساطة، وإن كانوا هنا يُمثِّلون #أقليةً لا تأثير لها. اتسمت كل الكلمات التي أُلقيت بالرتابة والسطحية واتفقت على تمجيد السادات، وبالطبع فقد جاءت خاليةً من كل مضمون، على الرغم من أن المؤتمر كان مُطالِبًا بتبني برنامج للعمل القومي، قام على إعداد وثيقته عزیز صدقي و محمد عبد السلام الزيات، وكلاهما كانا من قيادات الاتحاد الاشتراكي العربي.
ألقى السادات الخطاب الرئيسي. كان خطيبًا #مُتكلِّفًا، قرأ الجزء الأكبر من خطابه بشكل #استعراضي_تمثیلي بارع، بينما راح يُلقي بكل ورقة جانبًا وإن لم يستطع أن يتلاعب بالبرنامج، حتى راحت الأوراق تقع من على المنصة إلى الأرض، ولم يكن السادات يلاحظ ذلك. ساد الصمت، وإذا به ينظر إلى الأوراق #نظرةً_بليدة ويُقلِّبها ذات اليمين وذات اليسار بطريقة توحي بوضوح أنه #يسخر من البرنامج. كان من المعروف أن السادات غير راضٍ في قرارة نفسه عن هذا البرنامج الذي كان يستشرف دعم قدرات #القطاع_العام واتخاذ إجراءات إصلاحية وتقدمية أخرى. وفي النهاية غمغم قائلًا: «ما دام مشروع البرنامج موجودًا بين يدي الأعضاء فلا حاجة للحديث عنه.» وهكذا لاذ السادات بالصمت ولم يطرح أي رقم.
بالمناسبة، تمَّ استبدال «البرنامج» ببرنامجٍ آخر تمامًا عضَّده مساعدوه الجدد بشدة باعتباره الدواء الناجع والشامل، وهو برنامج «#الانفتاح» أمام رأس المال الأجنبي والمحلي ” !
——–
نادر سلسيلي#انقلاب_مايو_1971
-الطريق الى انقلاب السادات في مايو 1971 كما رصده السفير السوڤياتي ڤلاديمير فينوجرادوف في كتابه “مصر من ناصر إلى حرب أكتوبر .. من أرشيف سفير”.
ما يلي هو التفريغ النصي الحرفي للصفحات : 35-40 :
” وفي نفس الوقت، كان هناك أمر آخر أثار إعجابي أيضًا وهو الإحساس الواضح بشعور المصريين، حتى البسطاء منهم، بأنهم #سادة_هذا_البلد، وكان هذا الشعور يتجلَّى في الكثير من الأمور، سواء الكبيرة أو الصغيرة، وخاصةً في السلوك اليومي وفي الأحاديث العادية والحميمة وفي كرم الضيافة التلقائي البعيد عن التكلُّف، وكذلك في #التفاؤل_وعزة_النفس، وأخيرًا في القدرة على تحمُّل المصائب بروح ساخرة. ليس من قبيل المصادفة أن شاعت هذه الطرفة الساخرة التي تقول إن نابليون هُزم في مصر بفضل النكات التي استهدفه بها المصريون. وفي هذا السياق، راح المصريون يلاحقون السادات بالنكات منذ أن تولَّى منصب الرئيس. واحدة منها ذات مغزًی خفي تقول: إن الرئيس السادات استقلَّ سيارة الرئيس الراحل ناصر، وعند مفترق الطرق سأله السائق: إلى أين نتجه؟ يمينًا أم يسارًا؟
فسأله السادات باهتمام: وفي أي اتجاه كان يسير ناصر؟
أجاب السائق: «يسارًا.»
عندئذٍ قال السادات: «حسنًا، أعط إشارة الدوران إلى اليسار، ثم .. انطلق يمينًا.»
كان ممَّا أثار دهشتي أيضًا هذه المشاعر #الودية_الجارفة التي يُكِنها المصريون للروس، وخاصةً تجاه الخبراء الذين كانوا يشاركونهم العمل في بناء محطة القوى الكهرومائية العملاقة في أسوان، وفي بناء #مجمع_الحديد_والصلب في حلوان بالقرب من القاهرة، وفي المصانع الأخرى والمشروعات الزراعية، وفي الجيش بطبيعة الحال. كان سد أسوان ( #السد_الغالي) يبدو من الطائرة على هيئة مشط نصف دائري مغروس وسط صحراء صفراء حارة مترامية الأطراف تتدفَّق المياه منه بلون الصلب الرمادي، ومن خلفه ترامت بحيرة عملاقة هي «بحيرة ناصر»، ومن الناحية الأخرى امتدَّ نهر النيل شريطًا قاتم اللون.
في يناير عام 1971 ، تمَّ الاحتفال رسميًّا بانتهاء العمل في السد ومحطة الكهرباء التي راحت تُعطي آنذاك نصف الطاقة الكهربائية التي تُنتجها أفريقيا كلها. عُزفت الأوركسترا ورفرفت الأعلام وعُلِّقت الملصقات وعُقدت اللقاءات الجماهيرية.
انتهى بناء المشروع العملاق الذي حاولت الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا الاتحادية إفشاله؛ وذلك بفضل المساعدة #النزيهة التي قدَّمها الاتحاد السوفييتي، الذي كان عليه القيام بحل المشكلات العلمية والفنية. لقد أقدم ناصر في شجاعة على التعاون الوثيق مع الاتحاد السوفييتي، وها هي أسوان وقد أصبحت تُمثِّل قمة هذا التعاون. لقد باتت أسوان رمزًا للحكمة الاقتصادية وإصرار ناصر، فضلًا عن أنها جسَّدت رؤيته السياسية.
لقد تسنَّى للسادات ( الوريث غير الشرعي) افتتاح السد ومحطة القوى الكهربائية. وعلى اللوحات التذكارية التي أُقيمت على السد ومحطة الكهرباء تخليدًا لهذا الحدث البارز اختفت أية إشارة للاتحاد السوفييتي ودوره في تشييدها؛ فقد كُتب: «بمشيئة الله ومساعدة أصدقائنا قمنا ببناء السد العالي الذي افتتحه الرئيس محمد أنور السادات.»
مَن هؤلاء الأصدقاء؟!
لعل أحفاد المصريين يبحثون بأنفسهم !
لكننا رأينا مقدار الفرحة الصادقة التي حيَّا بها البُناة المصريون أصدقاءهم الروس أثناء الاحتفال. كان المصريون يعلمون جيدًا ما الذي قدَّمه الاتحاد السوفييتي؛ مصدرًا هائلًا للطاقة، ضوءًا في البيوت، أمانًا من الجفاف والفيضانات، وفرة في صيد الأسماك، آلاف الفرص للعمل …
وبنفس مشاعر الفرح الصادق، قابل المصريون السوفييت لحظة تدشين أول سفينة صيد بُنيت في مصر في ترسانة الإسكندرية التي أُنشئت بمساعدة الاتحاد السوفييتي، حتى إن المصريين قاموا بتسلُّق أبراج الأوناش والجلوس على الخطاطيف المتأرجحة.
وأمام الساحة الصغيرة التي جرت فيها مراسم تدشين السفينة ذبح المصريون وفقًا لتقاليدهم الشعبية، عجلًا، وراح العشرات من العُمال يغمسون أكفهم في الدم الطازج ابتهاجًا بهذا الحدث الكبير.
لعل المهمة الأولى التي يحرص كل سفير جديد على القيام بها هي إقامة العلاقات والروابط مع الشخصيات القيادية المحلية ورؤساء البعثات الدبلوماسية، وهؤلاء عددهم ليس بالقليل، وهو ما يعني في الواقع زيارات تتلوها زيارات، فضلًا عن ضرورة استقبالهم عندما يقومون برد الزيارة. إنه جهد غیر عادي، خاصةً عندما تقع أحداث أو تنفجر مشكلات لا تحتمل الانتظار، وهذه كانت تزداد يومًا بعد الآخر.
لقد نجحتُ في وقت قصير في التعرُّف، بالدرجة الأولى، على غالبية الشخصيات القيادية في البلاد، ومن بينهم علي صبري وحسين الشافعي، نائبا الرئيس، والدكتور محمود فوزي رئيس الوزراء (وهو واحد من أقدم السياسيين منذ عهد الملك السابق فاروق)، ومحمود ریاض وزير الخارجية، ومحمد فوزي وزير الحربية، ولبيب شقير رئيس مجلس الأمة، وشعراوي جمعة أمين اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي ووزير الداخلية، وسامي شرف وزير شئون رئاسة الجمهورية (وكان في الواقع المُنسِّق لنشاط المخابرات ومكافحة التجسس)، وعدد آخر من الشخصيات. كان هؤلاء هم المقربون من ناصر في سنواته الأخيرة.
كانوا أناسًا ودودين للغاية، بعث بهم ناصر عدة مرات إلى موسكو وكانوا يُشاركونه في المباحثات، وقد توطَّدت بيني وبينهم علاقات عمل جيدة.
لم يكن ذلك كافيًا، بطبيعة الحال؛ لكي أُحيط بالأوضاع في البلاد بشكل تام. لقد كانت معظم الأمور تتوقَّف على الرئيس نفسه. جدير بالذكر أن السادات أكَّد لألكسي كوسيجين ولي أيضًا أن العلاقات بين بلدَينا لن يمسَّها أي تغيير، بل إنها ستزداد قوةً ورسوخًا.
على أنه سرعان ما تراكمت السحب في الأفق. وفي لمح البصر اختفت لدى الرئيس الجديد الصراحة والثقة في علاقاته بنا، تلك الصفات التي ميَّزت ناصر ، ليحل محلهما الشك والسخط لسبب أو آخر.
كانت ظاهرةً غريبة استمرت لفترة ما دون تفسير؛ فالاتحاد السوفييتي آنذاك لم يُغيِّر سياسته الودية البَنَّاءة تجاه مصر، ولم يكن هناك تصرُّف واحد ملموس يمكن أن يعكس أي شكل من أشكال التغيُّر.
تُرى هل كان ذلك يعني تغيُّرًا في مزاج ونهج وسياسة الرئيس الجديد؟ لم يكن من السهل مطلقًا الإجابة آنذاك، بشعور بالمسؤولية، على هذا السؤال البالغ الأهمية بل والحاسم إذا جاز التعبير. وتمثَّلت صعوبة الإجابة أيضًا في أن غالبية الشخصيات السياسية ورجال الدولة الذين ظلُّوا في مناصبهم بعد رحيل ناصر كانوا متمسكين بعلاقاتهم الودية تجاه الاتحاد السوفييتي. على أنه وبعد مرور شهرَين أو ثلاثة، بدأ جزء من هؤلاء المسؤولين — وهو جزء ضئيل في الواقع — في ترديد أقاويل السادات المُتعسِّفة وافتراءاته على الاتحاد السوفييتي، وهي أقاويل لا تقوم على أساس، وخاصةً فيما يتعلق بالمسائل العسكرية. وفجأة، إذا بنا أمام مقال في صحيفة أو في إحدى المجلات، حيث يعمل نفر من أصدقاء السادات أو شركائه في الفكر، يتحدَّث عن نقص صفقات الأسلحة السوفييتية أو عن تدني المستوى الفني لها، ويَخلُص «الخبير #المجهول» إلى أن أجهزة الكمبيوتر توصَّلت إلى أن «حالة اللاسلم واللاحرب» القائمة مع إسرائيل لا يستفيد من ورائها سوى الاتحاد السوفييتي. لم تكن هذه الحملات لتهدف إلا إلى بذر روح الهزيمة لدى المصريين وتشكيكهم في قواتهم المسلحة وإهالة التراب على أصدقائهم. كان هذا التوجُّه المُلَفَّق والمصطنع واضحًا تمام الوضوح؛ فالمصريون، فضلًا عن أعدائهم ذاتهم، كانوا يعلمون جيدًا قدر المساعدات الهائلة التي قدَّمتها بلادنا من أجل رفع القدرة الدفاعية للجيش المصري والمساهمة الحاسمة في دعمه والوصول بها إلى مستوًى قتالي رفيع.
على أن البعض لم يُدرك على الفور أن هذا التوجُّه قد بدأ مُبكِّرًا للغاية بهدف تبرير تراجع مصر عن نضالها ضد الإمبريالية والقيام بتلك التغييرات في السياسة الداخلية والخارجية التي أضمرها السادات ثم أقدم على تنفيذها مؤخرًا.
وفي الوقت نفسه، أصبح الخلاف واضحًا بين الرئيس والغالبية الكبرى من القيادات، التي كانت تشغل مناصب بارزةً في الحكومة وفي الاتحاد الاشتراكي العربي. وفي الشأن الداخلي، قاد الرئيس اتجاهًا يهدف إلى التقليص الحاد لنشاط ومهام الاتحاد الاشتراكي العربي، الذي كان هو المنظمة السياسية الجماهيرية الوحيدة في مصر، والتي كانت قائمةً على أُسس أيديولوجية تقدُّمية. وإذا كان ناصر يحلم بأن يُخرج من رحم هذه المنظمة تنظيمًا سیاسيًّا باسم «#طليعة_الاشتراكيين»، فإن السادات قد سعى إلى #حلِّه.
أدرك السادات بسرعة أنه لن يستطيع أن يُخضِع بمفرده اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي العربي، فقد تشكَّلت داخل هذه اللجنة منذ ناصر ما يمكن اعتباره #قيادةً_سياسية_جماعية. وعلى سبيل المثال، فقد انتهت واحدة من أفكار السادات في اتخاذ خطوات عملية نحو إقامة وحدة فيدرالية تجمع كلًّا من مصر وسوريا وليبيا ( اتحاد الجمهوريات العربية ) تحت قيادة مصر، بطبيعة الحال، انتهت بالنسبة له في اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي بحالةٍ من الفوضى. كانت هذه الفكرة الفجة والتي طُرحت، علاوةً على ذلك، دون تشاور مع أي من قيادات البلاد، مثارًا للسخرية بين أعضاء هذه اللجنة، وهو ما أثار سخط السادات بالطبع الذي رأى أن على الجميع أن يمتثلوا لكل ما يقول.
تسنَّى لي حضور مؤتمرَین عجيبَين عقدهما الاتحاد الاشتراكي العربي؛ الأول في نوفمبر عام 1970 ، حضره أعضاء اللجنة المركزية للاتحاد الذين تمَّ انتخابهم في عهد ناصر. امتلأت قاعة الاحتفالات الكبرى في جامعة القاهرة، حيث عُقد المؤتمر، بجمهور ارتدى غالبيته #ملابس_بسيطة راحوا يتصرَّفون بحرية ودون تكلُّف، بينما تصاعدت في القاعة أعمدة دخَان السجائر، وعبر هذا الدخَان وعلى نحو فني تسلَّلت أشعة المصابيح المصاحبة للكاميرات التي أخذت في التقاط الأفلام التسجيلية وصور الوجوه والشخصيات الحاضرة في المكان. كان الموقف بأكمله يخلق انطباعًا مباشرًا بأن الحضور هم بالفعل مُمثِّلو الشعب الذي نال استقلاله غير بعيد، وربما، لم يكونوا يُمثِّلونه بدقة كما كان ينبغي، ولكنهم كانوا أُناسًا واثقين من أنفسهم بعد أن أصبحوا #سادةً في بلادهم، وأنهم ما داموا كذلك فسيجدون حتمًا الطريق الصحيح.
في يوليو من عام 1971 ( بعد انقلاب مايو 1971 بشهرين فقط ) كان الجمهور الذي حضر مؤتمر الاتحاد الاشتراكي العربي في قاعة الاحتفالات الكبرى #مختلفًا_تمامًا. كان أغلبهم من الذين يميلون في الواقع لنهج السادات #المُعادي لعبد الناصر. نفس القاعة تشهد الآن أناسًا يرتدون #ملابس_فاخرة، مُعتدِّين بأنفسهم على نحو ظاهر، على الرغم من حضور شخصيات أخرى في ملابسهم الشعبية، وتعكس ملامحهم روح البساطة، وإن كانوا هنا يُمثِّلون #أقليةً لا تأثير لها. اتسمت كل الكلمات التي أُلقيت بالرتابة والسطحية واتفقت على تمجيد السادات، وبالطبع فقد جاءت خاليةً من كل مضمون، على الرغم من أن المؤتمر كان مُطالِبًا بتبني برنامج للعمل القومي، قام على إعداد وثيقته عزیز صدقي و محمد عبد السلام الزيات، وكلاهما كانا من قيادات الاتحاد الاشتراكي العربي.
ألقى السادات الخطاب الرئيسي. كان خطيبًا #مُتكلِّفًا، قرأ الجزء الأكبر من خطابه بشكل #استعراضي_تمثیلي بارع، بينما راح يُلقي بكل ورقة جانبًا وإن لم يستطع أن يتلاعب بالبرنامج، حتى راحت الأوراق تقع من على المنصة إلى الأرض، ولم يكن السادات يلاحظ ذلك. ساد الصمت، وإذا به ينظر إلى الأوراق #نظرةً_بليدة ويُقلِّبها ذات اليمين وذات اليسار بطريقة توحي بوضوح أنه #يسخر من البرنامج. كان من المعروف أن السادات غير راضٍ في قرارة نفسه عن هذا البرنامج الذي كان يستشرف دعم قدرات #القطاع_العام واتخاذ إجراءات إصلاحية وتقدمية أخرى. وفي النهاية غمغم قائلًا: «ما دام مشروع البرنامج موجودًا بين يدي الأعضاء فلا حاجة للحديث عنه.» وهكذا لاذ السادات بالصمت ولم يطرح أي رقم.
بالمناسبة، تمَّ استبدال «البرنامج» ببرنامجٍ آخر تمامًا عضَّده مساعدوه الجدد بشدة باعتباره الدواء الناجع والشامل، وهو برنامج «#الانفتاح» أمام رأس المال الأجنبي والمحلي ” !
——–
نادر سلسيلي

