د.أسامة حمدي يكتب:ماذا لو سألوك الآن عن عبد الناصر؟!

د.أسامة حمدي يكتب:ماذا لو سألوك الآن عن عبد الناصر؟!

لو سألت معظم شباب اليوم عن عبد الناصر لقالوا: كان رئيسًا فاشلًا، ويكفي حرب اليمن، ونكسة ٦٧.

ولو سألت الجيل الذي يسبقه، والذي عاش عصر السادات ومبارك، عن عبد الناصر، لقال: كل مشكلاتنا حتى الآن بسببه؛ فهو الذي أسس للحكم العسكري، وهو من بدأ عصر ديكاتورية الحكم في مصر.

ولو سألت الجيل الذي قبله لقال: عصر التعذيب وزوار الفجر، والاستيلاء على الأراضي، والتأميم.

ولو سألت دعاة الإسلام السياسي لقالوا: الستينيات! وما الستينيات! ولن يتوقفوا عن سبه ولعنه.

ولو سألت المَلكيات العربية عنه لقالوا: كان صاحب مشروع وهمي يمجده هو فقط، ويطالب بزوال كل الملوك العرب.

لقد نجح الغرب، والإخوان، والسادات، وبعض الدول العربية- متكاتفين- في محو تاريخ الرجل من خلال عملية تشويه ممنهجة منذ أوائل الستينيات حتى الآن. كان عبد الناصر “البعبع” الذي يخيفهم في أحلامهم، وكأن خياله ما زال يطاردهم حتى الآن وهو في قبره. قال الغرب: لن نسمح بقيام عبد الناصر آخر في هذه المنطقة مهما كانت التكلفة! حديثًا قال أحدهم لدبلوماسي صديق، وبلكنة عربية وهو يتهكم عليه: “ارفأ (ارفع) رأسك يا أخي”!

في عصر السادات ومبارك منعوا كل الأغاني الوطنية في عصره، وكان يصيبهم الرعب إذا سمع الشعب أغانيه!

وفي سنة الإخوان البائسة، كالوا له اللعن رغم مرور ٥٥ سنة على موته، وألغيت كل أعياد عصره، حتى عيد العلم!

أراد الجميع- مجتمعين- ألا يفكر أي شاب مصري أو عربي- ولو للحظة- فيمَن هو عبد الناصر! في الغرب، يدرِّسون في الجامعات المشروع الوطني العربي تحت قيادة عبد الناصر، وكم كان خطرًا شديدًا على الغرب. أهداني ابني الكتب التي كان يدرسها عن تاريخ الشرق الأوسط في الاقتصاد والعلوم السياسية، ولم أصدق! يريدون ألا ينسى أحد ما فعله هذا الرجل في الغرب والشرق. في الاقتصاد يصفونه بأنه دمر بأفكاره الاشتراكية المجتمع الصناعي والاستثماري. قلما تجد فاسدًا، أو مرتشيًا، أو خائنًا، إلا سبَّ عبد الناصر ولعنه.

والسؤال هنا: لماذا كل هذا؟ ولماذا حتى الآن؟

-هل لأنه أول مصري حقيقي بجينات مصرية يحكم مصر؟

-هل لأنه صاحب مشروع مصري يقف بجانب الفقير، والفلاح، والعامل، الذين ظلموا منذ عهد المصريين القدماء؟

-هل لأنه وقف للغرب المستعمر في الدول العربية وإفريقيا حتى تحررت؟

-أم لأنه صاحب مشروع قومي يوحد العرب ويرفع شأنهم؟

-أم لأنه اهتم بالتعليم والصحة، وجعلهما مجانًا لكل أبناء الوطن؟

-أم لأنه أمّم قناة السويس وأعادها إلى أصحابها الأصليين لتعود عليهم بالملايين؟

-أم لأنه بنى السد العالي رغم أنف صندوق النقد ليحمي صعيد مصر من الفيضان، وينير قرى مصر؟

-أم لأنه وقف بشجاعة للغرب في اعتدائه على مصر، ولم يحنِ رأسه، وقاتل ومعه شعبه، ولم يستسلم؟

-أم لأنه اهتم بصحة المصريين وبنى وحدة صحية في كل قرية؟

-أم لأنه حوّل مصر من دولة زراعية تحت رحمة بورصة القطن إلى دولة صناعية تملك ١٢٠٠ مصنعًا، منها مصانع ثقيلة وحربية؟

-أم لأنه حاول إنشاء مجتمع الكفاية والعدالة الاجتماعية؟

-أم لأنه لم يكن فاسدًا، ولا خائنًا، ولا مستغلًا؟

-أم لأنه حين كان يخطب كان يسمعه العالم أجمع في إذاعاته الموجهة إلى كل العالم؟

-أم لأنه أسس حركة عدم الانحياز التي لا تخضع لتبعية الغرب أو الشرق؟

-أم لأنه تزعم الشرق الأوسط وإفريقيا، وكانت له الكلمة المسموعة؟

الحقيقة ليست في ذلك كله؛ ولكن لأنه أول حاكم مصري بجينات مصرية بحتة يلتف الشعب المصري والعربي حوله، ويقف معه ومع مشروعه الوطني. لأنه آمن بقدرة بلاده على التطور والنهضة لتنافس القوى العظمى في هذا العالم، وآمن بقوميته، ولم يتخلَ عن نصرة الدول الشقيقة. ولأنه أرسل بعثاته التعليمية إلى جميع البلدان العربية، حتى الفقيرة منها، لتضيء العقول، وتزيل عنها الجهل والتخلف الذي يريده الغرب. ولأنه قاد إفريقيا نحو التحرر والاعتماد على النفس. يريدون للشباب أن ينسى عبد الناصر تمامًا، وأن يربطوه في أذهانهم بالنكسة، والفشل، والقهر؛ حتى لا يتكرر هذا الصداع الوطني القومي والمصري مرة أخرى!

أما نحن ممن نحب مصر بصدق فنريد أن ندرِّس تاريخ عبد الناصر- بانتصاراته وانتكاساته- لأولادنا وأحفادنا، فلقد قاتل برجولة وشجاعة من أجل مصر، ومن أجل رفعتها ونهضتها، وحاربه كل من لا يريد الخير لمصر قتالًا شديدًا، وما زالوا يحاربونه بعد ٥٥ عامًا على موته، وأتوقع أن أرى التعليقات نفسها والتي نسمعها كلما ذُكر اسمه، فلقد أصبحنا نردد “كالببغاء” دون فهم، أو إدراك، وبذاكرة فاقت ذاكرة السمك في النسيان!

لا أعرف كيف أنساه وقد كنت شاهد عين على جزء مهم من عصره، فمَن ينصفه الآن؟

Scroll to Top