المرأة المصرية في عهد جمال عبد الناصر

المرأة المصرية في عهد جمال عبد الناصر

بقلم: عمرو صابح

لم تكن مكانة المرأة المصرية قبل ثورة يوليو 1952 انعكاسًا لغيابها عن المجتمع، بل نتيجة إقصائها عن الدولة. فقد شاركت المرأة في الحياة الثقافية والاجتماعية، وبرزت أسماء نسائية في التعليم والعمل والنشاط الوطني، غير أن هذه المشاركة ظلت خارج الإطار القانوني والسياسي الرسمي. لم تكن المرأة تُعامل بوصفها مواطنة كاملة، بل باعتبارها فاعلًا اجتماعيًا محدود التأثير، بلا حقوق سياسية، وبلا تمثيل في مؤسسات الحكم.

في هذا السياق، جاء عهد جمال عبد الناصر ليُحدث تحوّلًا بنيويًا في علاقة الدولة بالمرأة، لا عبر الخطاب وحده، بل من خلال الدستور والتشريع والممارسة السياسية، وهو ما يجعل الحديث عن مكاسب المرأة في عهده حديثًا عن انتقال تاريخي، لا عن تحسينات جزئية.

أولى هذه النقلات وأهمها تمثّلت في إقرار الحقوق السياسية للمرأة. فقد نصّ دستور 1956 صراحة على حق المرأة في الانتخاب والترشّح، وهو ما وضع حدًا نهائيًا لمرحلة طويلة من الإقصاء القانوني. ولم يبقَ هذا النص حبرًا على ورق، إذ شهدت انتخابات مجلس الأمة عام 1957 دخول المرأة المصرية البرلمان لأول مرة في تاريخها. ففازت راوية عطية وأمينة شكري بعضوية المجلس، لتصبحا أول نائبتين برلمانيتين في مصر والعالم العربي. بهذا الحدث، انتقلت المرأة من موقع المطالبة بالحق إلى موقع ممارسته فعليًا داخل المؤسسة التشريعية.

هذا التطور لم يكن رمزيًا، بل كان إعلانًا واضحًا بأن الدولة حسمت موقفها من أهلية المرأة السياسية. فقبل عبد الناصر، كان وجود المرأة في المجال العام مرهونًا بقبول المجتمع، أما في عهده فقد أصبح وجودها في البرلمان أمرًا دستوريًا محميًا، حتى مع استمرار انقسام المجتمع حوله.

ولم يتوقف الأمر عند التمثيل النيابي، بل امتد إلى السلطة التنفيذية نفسها. ففي عام 1962، عُيّنت حكمت أبو زيد وزيرةً للشؤون الاجتماعية، لتصبح أول امرأة تتولى منصبًا وزاريًا في تاريخ مصر. ولم يكن هذا التعيين حدثًا شكليًا أو مجاملة سياسية، بل جاء في سياق رؤية ترى أن مشاركة المرأة في الحكم جزء من مشروع العدالة الاجتماعية وبناء الدولة الحديثة. وقد اضطلعت حكمت أبو زيد بدور فعّال في سياسات الرعاية الاجتماعية، ما رسّخ فكرة أن المرأة ليست واجهة رمزية، بل عنصرًا حقيقيًا في صنع القرار.

إلى جانب التمكين السياسي، شهد عهد عبد الناصر توسّعًا غير مسبوق في تعليم المرأة، نتيجة تبنّي سياسة التعليم المجاني في جميع المراحل. وقد فتح هذا القرار أبواب المدارس والجامعات أمام ملايين الفتيات، خاصة من الطبقات الوسطى والفقيرة، وهو ما لم يكن متاحًا على هذا النطاق قبل عام 1952. لم يعد تعليم المرأة امتيازًا طبقيًا أو خيارًا ثانويًا، بل أصبح جزءًا من سياسة الدولة الهادفة إلى بناء مجتمع منتج ومتوازن.

أما في مجال العمل، فقد ارتبط صعود المرأة باتساع دور الدولة الاقتصادي. إذ أتاح نمو القطاع العام والجهاز الإداري فرصًا واسعة لعمل النساء في مجالات التعليم والصحة والإدارة والصناعة. والأهم من ذلك أن الدولة شرعنت عمل المرأة، فانتقلت من وضع يتسامح فيه المجتمع مع عملها على استحياء، إلى وضع تعترف فيه الدولة بحقها في العمل بوصفه حقًا قانونيًا، لا منّة اجتماعية.

وفي الإطار الاجتماعي، أسهمت سياسات الرعاية العامة في تحسين أوضاع النساء، لا سيما في الطبقات الفقيرة. فقد توسّعت خدمات الصحة العامة، ورعاية الأمومة والطفولة، وبدأت الدولة تتحمّل جزءًا من الأعباء التي كانت المرأة تواجهها وحدها في ظل الفقر والمرض. صحيح أن هذه السياسات حملت طابع الدولة الأبوية، لكنها وفّرت حدًا أدنى من الحماية الاجتماعية لم يكن قائمًا من قبل.

والفرق بين ما قبل عبد الناصر وما بعده لا يمكن اختزاله في عدد المتعلمات أو العاملات، بل في طبيعة العلاقة بين المرأة والدولة. فقبل عام 1952، كانت المرأة تتحرك في هامش المجتمع، أما في عهده فقد دخلت البرلمان، وتولت الوزارة، وأصبحت جزءًا من بنية الحكم. هذا التحول هو ما يجعل مكاسب المرأة في العصر الناصري مكاسب تأسيسية، لا عرضية.

لم يحرر جمال عبد الناصر المرأة المصرية بالشعارات، ولم يخُض معركة ثقافية شاملة ضد المجتمع، لكنه أنجز ما هو أخطر وأبقى: حوّل المرأة من موضوع للنقاش إلى فاعل داخل الدولة. وما تحقق لاحقًا، مهما اختلفت العصور والأنظمة، ظل قائمًا على هذه الأرضية التي وُضعت في عهده، لا خارجها.

Scroll to Top