عمرو صابح يكتب: فيلم لم يفهمها!
لم يتعثر فيلم «الست» عند حدود الإخفاق الفني، بل سقط فى مأزق أعمق وأكثر خطورة، وهو سوء الفهم، سوء فهم أم كلثوم، لا بوصفها مطربة استثنائية فقط، بل باعتبارها ظاهرة تاريخية وثقافية وسياسية شكّلت وجدانًا عامًا، وأعادت تعريف علاقة الفن بالمجتمع والدولة. ما قُدِّم على الشاشة لا يشبه “الست” التى عرفها التاريخ، بل نسخة درامية مُعاد تركيبها، تتخفّى خلف الإبهار البصرى بينما تُفرَّغ من معناها الحقيقى، وتُختزل فى سردية نفسية ضيقة لا تليق بحجم الرمز. والأسوأ أن هذا التقديم لم يكتفِ بنزع الهيبة، بل قدّم أم كلثوم فى صورة انتهازية، منافقة، وبخيلة؛ امرأة تُغيّر مواقفها حسب مصلحتها، وتحسب علاقتها بالوطن والناس بمنطق الربح والخسارة، فى قلبٍ فجّ لصورة تاريخية لم تُبنَ يومًا على هذه الصفات.

أراد صُنّاع الفيلم تقديم «أم كلثوم الإنسانة»، لكنهم سلكوا الطريق الأسهل والأكثر تضليلًا وهو كسر الصورة عبر التشويه لا عبر الفهم. والنتيجة لم تكن إنسانية أعمق، بل إفقارًا متعمدًا للمعنى.. غابت الصفات الجوهرية التى عُرفت بها أم كلثوم.. الذكاء الاجتماعى الحاد، الحس السياسى العالى، سرعة البديهة، خفّة الدم، والقدرة النادرة على قراءة البشر واللحظة التاريخية بدقة مذهلة. وبدلًا من ذلك، ظهرت على الشاشة امرأة كئيبة، منغلقة، محاصرة بالشكوك، تتحرك داخل شبكة مصالح ضيقة، وكأن مشروعها الفنى لم يكن سوى رحلة صعود فردى بلا جذور ثقافية أو وطنية.
ولأن الفيلم يلمّح — صراحة أحيانًا وضمنًا فى أغلب مشاهده — إلى “بخل” أم كلثوم وانكفائها الإنسانى، يصبح من الضرورى وضع هذا الادعاء فى سياقه الحقيقى.. أم كلثوم كانت من أكثر الفنانين التزامًا بالمسؤولية العامة فى تاريخ مصر الحديث، تبرعاتها المنتظمة، حفلاتها المخصصة للمجهود الحربى، وجولاتها العربية بعد نكسة 1967 لجمع المال والدعم السياسى لمصر، ليست روايات دعائية ولا ملاحق سير ذاتية، بل وقائع موثقة شهدت بها الدولة والجمهور معًا. لم تكن تُنفق المال استعراضًا، ولم تتاجر بالعطاء، لكنها كانت واعية بقيمة المال بوصفه أداة استقلال وقوة، لا وسيلة وجاهة. والفرق بين الحرص والبخل فرق أخلاقى وسياسى يتجاهله الفيلم عمدًا لأنه لا يخدم سرديته النفسية السطحية.
ومن هذه النقطة يتضح أن سؤال: «هل الفيلم جيد أم سيئ؟» سؤال مضلل فى حد ذاته، فالفيلم لا يُقاس بهذه الثنائية الساذجة. المشكلة ليست فى الإخراج أو الأداء أو الإبهار البصرى، بل فى طبيعة ما يُقدَّم تحت هذا الغلاف المصقول. نحن أمام عمل يعرف جيدًا كيف يبدو محترمًا، بينما يُعيد ترتيب التاريخ على نحو مُربك وأحيانًا مُضر، دون أى إحساس بالمسؤولية تجاه الذاكرة العامة.
الخطر الحقيقى لا يكمن فى الخطأ ذاته، بل فى أثره التراكمى. فالصورة الذهنية لأم كلثوم لم تكن نتاج الصدفة، بل بناءً طويلًا شاركت فيه بوعى وانضباط، وحرصت أن تظل صورتها العامة متسقة مع مكانتها الفنية والرمزية. وبعد أكثر من نصف قرن على رحيلها، لم يُضعف الغياب حضورها، بل زاده رسوخًا. ويأتى هذا الفيلم ليقترح صورة بديلة لا تضيف فهمًا، بل تزرع التباسًا، وتفتح بابًا للتشويه.
وهنا نصل إلى جوهر الأزمة: «السيناريو» نص أحمد مراد هو أصل العطب كله، كتابة تتعامل مع التاريخ بوصفه خلفية ديكور، لا مسارًا حيًا تحكمه سياقات سياسية وفنية واجتماعية معقّدة، أم كلثوم كُتبت كما تُكتب أى شخصية درامية مأزومة، غضب داخلى، علاقات متوترة، مونولوجات نفسية، وخلافات شخصية تُختزل فيها التحولات الكبرى. لكنها لم تكن بطلة رواية نفسية، بل ظاهرة حضارية شاركت فى تشكيل وعى مجتمع كامل.
الفيلم يُصوّر صعود أم كلثوم كرحلة فردية شبه معجزة، بلا صراع فنى حقيقى، وبلا شراكات، وبلا جدل إبداعى، وهذا تزوير واضح لتاريخ الفن المصرى، الذى كان فى عصر أم كلثوم ساحة اشتباك عبقرى، لا مسارًا نرجسيًا فرديًا.
الأخطر أن الفيلم فشل فى التعامل مع موسيقى أم كلثوم باعتبارها جوهر الحكاية لا زينتها، الموسيقى هنا مجرد خلفية صوتية، لا لغة درامية ولا أداة بناء للشخصية، لم يحاول الفيلم فهم منطق الأغنية الكلثومية: التطريب، التكرار، الصعود التدريجي، العلاقة المعقّدة بين الصوت والزمن والفرقة. الأغنية تُولد فى الفيلم جاهزة، بلا عرق أو صراع إبداعى، وكأن الصوت وحده هو المعجزة. وهذا تبسيط مُخل يصل إلى حد التزوير.
حتى الأداء الغنائى جاء باهتًا، بلا لحظة “سلطنة” واحدة حقيقية. لم نشعر بتلك اللحظة التى كان الجمهور يصرخ فيها قبل اكتمال الجملة. كل شىء بدا آمنًا، محسوبًا، ومعقّمًا… أى نقيض أم كلثوم.
ويتجلى سوء الفهم منذ افتتاح الفيلم بمشهد سقوط أم كلثوم على مسرح الأوليمبيا عام 1967، المشهد مستعار من La Vie en Rose عن إديث بياف، لكن دون إدراك للفارق السياقى. ما حدث فى باريس لم يكن انهيارًا، بل لحظة قوة رمزية بعد النكسة، لحظة التفاف جماهيرى وإصرار على أن الفن يمكن أن يكون فعل مقاومة. الفيلم حوّلها إلى مشهد شفقة، وكأن أم كلثوم ضحية لا فاعلة.
أما أخطر مشاهد الفيلم، فهو تصوير حرق تاريخها الغنائى قبل الثورة، ثم تقديم أغنية «مصر التى فى خاطرى» بوصفها صفقة سياسية مع النظام الجديد.. المشهد صُوِّر كنفاق وانتهازية. وهذا تشويه فجّ. أم كلثوم لم تكن فنانة تغيّر جلدها حسب السلطة، بل كانت دائمًا ابنة اللحظة الوطنية، تشارك التحولات ولا تتزلف لها.
شخصية جمال عبد الناصر لم تسلم من هذا التشويه. قُدِّم الزعيم فى صورة باهتة، أقرب إلى موظف كبير منه إلى قائد تاريخى شكّل وجدان أمة، أداء عمرو سعد افتقد الكاريزما والهيبة والروح، واختُزلت العلاقة المعقّدة بينه وبين أم كلثوم فى مشاهد باردة بلا دلالة.
وعند هذه النقطة تحديدًا، يتحول الخلل من مشكلة كتابة إلى أزمة تجسيد وإخراج، دور أم كلثوم كان أكبر من إمكانيات منى زكى التمثيلية، لا لأن الدور صعب، بل لأن الشخصية نفسها تتطلب نوعًا من الحضور والسلطة لا يُكتسب بالمحاولة. ما رأيناه على الشاشة كان نسخة مصغّرة، مأزومة، قلقة، تُشبه بطلات الدراما الحديثة أكثر مما تُشبه امرأة أدارت فنها ومكانتها بعقل صارم ووعى سلطوى كامل.
لكن المسئولية هنا لا تقع على منى زكى وحدها.. مروان حامد قبل سيناريو مهلهلًا، مرتبك الرؤية، ثم بنى عليه اختياراته، واستعان بممثلة أصغر من الدور رمزيًا وتكوينيًا، وكأن أم كلثوم يمكن احتواؤها بأدوات درامية عادية. لم يحاول إنقاذ النص، بل عمّق أزمته، خاصة بإصراره على تفتيت السرد عبر فلاش باك متكرر لا يكشف بقدر ما يُربك، ويحوّل الشخصية إلى شظايا زمنية بدل تقديم مسار تراكمى يشرح كيف تشكّلت هذه الظاهرة الاستثنائية.
لا يسىء الفيلم إلى أم كلثوم وحدها، بل إلى فكرة الرمز نفسها: إلى إمكانية أن يكون الفن موقفًا، وأن تتحول الموهبة إلى قوة اجتماعية وسياسية، لا مجرد سردية شخصية متقلبة. ما يُقدَّم هنا ليس إنسانة أكثر قربًا، بل صورة أقل صدقًا، وأفقر فهمًا، وأشد التباسًا.
أم كلثوم لم تكن ملاكًا، لكنها لم تكن انتهازية.
لم تكن أسطورة متحجرة، لكنها لم تكن شخصية مهزوزة.
كانت عقلًا، وصوتًا، وموقفًا.
والفيلم — بكل بساطة — لم يفهم ذلك.

