عبد الناصر في معركة الزمن

حسن مشاري يكتب :
عبد الناصر في معركة الزمن.

كم من معمر عمّر فى الأرض سنيناً عددا و لم يترك أثراً على الأرض و لا بصمه على وجه الزمن و لم يُحدث في الزمان خفقه ، و مر كالنسيم العابر ، لا يُرى و لا يُروى عنه .
في المقابل كم من عظيم عاش نصف قرن لا أكثر ، فأحدث زلزالاً ، و بقى بعد موته ، عمرا أطول من حياته ؟!
الرئيس جمال عبد الناصر لم يُتم سوى 52 ربيعاً و لكنه أعاد رسم خريطه الوطن العربي و أعاد للإنسان العربي شعوره بأنه فاعل في التاريخ ، لا مجرد مفعول به. وأنه فرد من أمة تستحق مكانا كريما تحت الشمس ، وليس يتيما على مائدة لئام .
لقد خاض #الريس معارك مفتوحه مع الرجعيتين المحلية والاقليمية و الامبريالية العالمية التي جنّدت ( 1967 ) كل أدواتها لاصطياد “الديك الرومي” !
أما العُور الذين يتناولون الريس من زاوية الأخطاء ( حقيقية كانت أو ملفقة ) فنقول لهم :
إن الريس المتسق مع ذاته ، الذي تحدث مرارا عن “التجربة” ، بوصفها مسوّدة للمستقبل . تحدث كذلك عن الأخطاء ، علانية ، منذ سمّى الانفصال الرجعي في سورية “نكسة” ، ولا يجرؤ مُنصف على ان يتجاهل خطابه الشهير ( الذي ألقاه جالسا لأول مرة ) في 23 نوڤمبر 1967 ، وكان بمثابة “مكاشفة” ، فيها من الصدق والاتساق ما لا يخفى نُبله على أصحاب القضية ، أما الأبواق المشبوهة التي تشبه “هواتف العملة” ، فلا عجب أن تركن كعادتها إلى البلادة والشماتة ، فمُصابنا ليس مٌصابهم ، وانكسارنا ( العابر ) ، لا يزيدهم إلا تشفياً ، فسرعان ما تتسرب أحقاد القلوب الصدئة إلى ألسنة السوء !
وبعد ، فلو يعلم المرجفون في المدينة ، أن الذين لا يعملون ، وحدهم لا يخطئون . بينما التجارب الانسانية تظل بنتا لحساباتها الأرضية المُجردة ، إذ لا تتلقى وحي الصواب من السماء مشفوعا بوعد التأييد .
وعليه ، تظل تحمل في أحشائها جنين شجاعة اقتحام المجهول ، وتعبيد طريقه المُعتم للقادمين من بعد .
وبعد ، من المؤكد أن تجربة الريس في الحكم كانت تجربة فريدة ، حتى بأخطائها ، وهي في هذا الشأن أيضا تركت أثرها المحمود : بالمراجعة ، وتصويب المسير ، وتحسس الخُطى واختبار صلابة الأرض تحت الأقدام .
وإذا كان كثيرون قد يموتون حتف أنوفهم ، دون أن يتركوا خلفهم بصمة تدل عليهم ، كما عاشوا حياتهم طولا وعرضا دون أثر خلّاق ، يخلق لهم الأنصار والمُحبين ، بمثل ما يستجلب عليهم الخصوم والمناوئين إلى حد العداء ، فلا عجب أن يتجرع الأبطال سم المنية الزعاف ، و في أعناقهم المرفوعة قضايا لم تكتمل ، وآمال لم تندثر ، وأحلام لم تطوِها رياح الزمن الخؤون .

ختاما : بعد 55 خريفا على رحيله لا يزال قائدنا النبيل ، يشغل الناس ، يُحارب كما لو كان يقود جيشه في حرب التحرير ، و يُلهِم حوارييه كما لو كان نبياً غيّبه الموت ، دون أن يطوي راياته المنشورة إلى يوم النشور . و هنا تكمُن عظمة الخلود – أن تبقى فكرة عصية على القتل – فيلاحقك أعداءك إلى حد تلفيق أكاذيبهم وإهالتها على شاهد قبرك ، فتكبر وتكبر وتكبر ، فيما هم يتضاءلون ويتضاءلون ويتضاءلون !

Scroll to Top