7 نوفمبر 1973 طريق السادات من أكتوبر إلى كيسنجر.
بقلم: عمــرو صـابح
في عام 1982 صدر الجزء الثاني من مذكرات هنري كيسنجر «سنوات الفوران»، وفي الصفحة رقم (640) من الكتاب يبدأ كيسنجر في رواية وقائع الاجتماع المغلق الذي جمعه بالرئيس أنور السادات في قصر الطاهرة بالقاهرة يوم 7 نوفمبر 1973، وهو اللقاء الأول بين الرجلين، وجاء بعد شهرٍ ويومٍ واحدٍ فقط من اندلاع حرب 6 أكتوبر 1973.
يروي كيسنجر أنه فوجئ في مستهل اللقاء بالسادات يفاجئه بتصريحات غير متوقعة تمامًا، قال فيها:
«إن الجيش الثالث ليس هو لبّ المشكلة في واقع الأمر، فأنا أريد أن أفرغ من مشكلته لأتحول إلى مهام أكبر. فأنا مصمم على إنهاء ميراث عبد الناصر، وأريد إعادة العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية وبأسرع ما يكون، وعندما يتم ذلك تكون حركتنا متجهة إلى بناء صداقة وثيقة بين البلدين على أساس جديد».
كانت كلمات السادات صادمة حتى بالنسبة لدهاء كيسنجر، إذ لم يتوقع أن يأتيه زعيم دولة خرجت لتوها من حربٍ كبرى بهذا القدر من الانفتاح والاستعداد لتقديم ما تريده واشنطن دون مقابل.
لكن خلف تلك الكلمات كان يكمن تحوّلٌ هائل في مسار مصر، تحوّلٌ سيمتد أثره لعقود طويلة.
تعقيب:
إن حصار الجيش الثالث المصري لم يكن قَدَرًا عسكريًا، بل كان نتيجة مباشرة لقرار الرئيس السادات الخاطئ بتطوير الهجوم يوم 14 أكتوبر 1973، وهو القرار الذي اعترض عليه جميع القادة العسكريين وعلى رأسهم الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس الأركان، لما يمثله من مجازفة بخطة الحرب الأصلية، لكن السادات أصرّ على تنفيذه رغم التحذيرات، فكانت النتيجة أن تمكن العدو الإسرائيلي من الالتفاف خلف القوات المصرية وخلق ثغرة الدفرسوار التي أدت إلى حصار الجيش الثالث.
كانت العلاقات المصرية الأمريكية قد قُطعت منذ حرب 5 يونيو 1967، إثر الدور الأمريكي الداعم لإسرائيل سياسيًا وعسكريًا.
أما الحديث عن إنهاء سياسات عبد الناصر، فهو في جوهره تحقيق لهدفٍ أمريكي قديم سعت واشنطن إليه منذ عام 1957، أي منذ أن تحولت مصر الناصرية إلى ركيزة لحركات التحرر الوطني في العالم العربي وأفريقيا والعالم الثالث.
أوفى الرئيس السادات بكل تعهداته لكيسنجر دون تردد.
ففي فبراير 1974، عادت العلاقات الدبلوماسية المصرية الأمريكية بالكامل، وترافق ذلك مع فك الحصار عن الجيش الثالث بعد توقيع اتفاق فك الاشتباك الأول على الجبهة المصرية، ومع إطلاق سراح الكاتب الصحفي مصطفى أمين الذي كان محبوسًا بعد إدانته بالتجسس لصالح الولايات المتحدة الأمريكية.
ومنذ ذلك اليوم تغيّر اتجاه البوصلة المصرية.
توقفت المدافع في جبهة القتال، لكنها سرعان ما وُجّهت إلى قبر الرئيس جمال عبد الناصر.
بدأت حملة ضارية لتشويه سياساته، واغتيال شخصيته المعنوية، وإسقاط كل ما مثّله من فكرٍ واستقلالٍ وكرامة وطنية.
ومن بين ركام تلك الحملة، كان السادات يضرب المعول الأول في جدار القطاع العام الذي مثّل عماد الاقتصاد الوطني، ويقود انسحاب مصر من العالم العربي ومن أفريقيا ومن العالم الثالث، لتنكفئ على ذاتها وتبني علاقة خاصة وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، طمعًا في أن يتعامل حكام واشنطن مع مصر كما يتعاملون مع إسرائيل والسعودية.
لقد كان تنفيذ الرئيس السادات لتعهداته لكيسنجر حدًا فاصلًا بين عهدين:
انتهت به الجمهورية الأولى التي قامت على مبادئ الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة،
وبدأت الجمهورية الثانية التي استمرت طوال الفترة من 1974 حتى 2011.

