المحمومون بمتلازمة يوليو بقلم أ/ أحمد الجمال

المحمومون بمتلازمة يوليو بقلم أ/ أحمد الجمال

أتوقع مزيدًا من أعراض حمى الهجوم على ثورة يوليو وجمال عبد الناصر من بوابة هزيمة يونيو 1967.
ولا أتوقع أن يجد المحمومون طريقة لكي لا يعيدوا إنتاج ما أنتج طوال الفترة الماضية حول الشمولية، والديكتاتورية، وأهل الثقة، والتوجه الاشتراكي، وحرب اليمن، وتطهير القضاء، وحرية الصحافة، والاعتقالات، والحراسات، وتوزيع الفقر وإدارته، والصدام مع الولايات المتحدة، وفتح الأبواب للاتحاد السوفيتي والشيوعية، ومعاداة الدين، وتطوير الأزهر، والإصلاح الزراعي، وتمكين الفلاحين والعمال وتحالف قوى الشعب العاملة، والصدام مع نظم حكم عربية بعينها، بل إن بعضهم- وخاصة الذين يزعمون أنهم ينطلقون من تفكير ومبادئ ليبرالية- سيركز على الانقلاب العسكري، وإنهاء حكم الأسرة العلوية، والنظام الحزبي وما جرى للجامعة، وما حدث للرأسمالية المصرية والملكيات الزراعية الكبيرة.
وأعتقد أن تفاقم الأعراض مرتبط بما تكفلت بإظهاره وتجليته الأحداث في المنطقة، بل وفي العالم، لتؤكد أن مصر كانت وبقيت هي الأصح فكرًا ومبادئ وأهدافًا، ابتداء من حتمية وجود وقوة الدولة الوطنية، وحتمية الدور المصري القوي، وربما القيادي في الإقليم وبقية الدوائر، ثم الفهم الصحيح لطبيعة الصراع مع الاستعمار القديم والإمبريالية المعاصرة والوجود الصهيوني ودولته، وعلاقته بالولايات المتحدة الأمريكية، والفهم الصحيح أيضًا لضرورة وجود صيغة سياسية واقتصادية عربية تحقق الأمن الجماعي العربي، وتكفل القوة للعمل العربي المشترك على مختلف الأصعدة، الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ثم الفهم الصحيح للتوازن الداخلي، حيث يلعب الجانب الاجتماعي دورًا محوريًا في الحفاظ على الدولة الوطنية، وتحقيق مزيد من مقومات القوة الاقتصادية، وكفالة العدل في توظيف الثروة والخدمات الرئيسية، وفي مقدمتها التعليم والصحة.
كل ذلك وغيره أثبتت الأحداث والتطورات صحته، ولا يماري فيه الآن إلا من استبدت بعقله ونفسه حمى الجهل والتجاهل والانتقام، ولا أريد أن أزيد عن ذلك فأربط الأمر بمدى وطنية ورشد المرء.
ثم إن الإصرار على إعادة الإنتاج- التي أشرت إلى جوانبها- فإنه فوق تجاهل ما أثبتته الأحداث والتطورات يتجاهل جوانب أخرى، منها دور نظم عربية بعينها في المشاركة الفعلية المتواطئة مع الصهاينة والإدارة الأمريكية والبريطانية لتقويض نظام الحكم في مصر، وإنهاء تجربتها الوطنية والقومية.
ومثلما تكفّلت الأحداث بما سبق، تكفلت الوثائق المعلنة بكشف بعض جوانب هذا التواطؤ، ومنها شريط الفيديو الذي يتحدث فيه وزير خارجية إحدى تلك الدول عن دور بلاده في مساعدة الغرب والولايات المتحدة لمواجهة ناصر ونظامه والعمل على هزيمته.
والشريط الآخر الذي يتحدث فيه محللون ناطقون بالفرنسية عن أنه لولا دور أحد الملوك في تزويد الدولة الصهيونية “إسرائيل” بالمعلومات لما وقعت هزيمة ١٩٦٧.
ومع إن هذه الوثائق معلنة ومنتشرة ويمكن لأي إنسان أن يطلع عليها لكن بعض المصابين بالمتلازمة المرضية تجاه يوليو وما بعدها؛ يصرون على أن كل النظم التي حكمت مصر من 1952 إلى الآن “قدمت أطباقًا مسمومة للشعب المصري”، قالوا هذا بالحرف الواحد.
ولم يخجل من قال ذلك في ندوة علنية بأحد النوادي الاجتماعية المصرية من أنه بقى وزيرًا لمدة عقد من الزمن، وبقي عقدًا آخر في موقع عربي مرموق رشحه له أحد تلك النظم.
وهناك ما هو أفدح من ذلك لن أتمكن من كتابته، حتى لا يتم حجبه؛ بدعوى تعكير العلاقات مع بعض الدول العربية.
وإضافة لذلك، فإنهم كما تجاهلوا دور بعض دول الإقليم في السعي لهزيمة مصر يتجاهلون أهم المعطيات الحاكمة لسياق الصراع، وهو قضية الصراع بين التحرر وبين الاستعمار، حيث سيبقى المفكر الفذ جمال حمدان من أهم من كتبوا في هذه القضية.. لأن الصراع مع الصهيونية لا ينفصل أبدًا عن النضال الوطني في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، بل إننا- حتى الآن، وإلى مدى غير منظور- نربط بين سياسات ومصير نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا والنظام العنصري الإبادي مرتكب كل جرائم الحرب والجرائم اللاإنسانية في فلسطين المحتلة.
ستزداد الحمى وتتعاظم آثار المتلازمة المرضية بسبب ما أثبتته الأيام وسجلته الوثائق وبسبب حرص بعض أولئك المحمومين على التوقيع الدائم في كشوف المستحقات المجزية.. ولا ينطق من في فمه ماء!

Scroll to Top