الهجوم البري على «أم بسيس».. الضربة الأولى المنسية في حرب يونيو 1967
بقلم: عمرو صابح

ترسخت في الوعي العام العربي، عبر عقود طويلة، رواية تعتبر أن بداية حرب الخامس من يونيو 1967 كانت مع الهجوم الجوي الإسرائيلي الكاسح على المطارات والقواعد الجوية المصرية صباح ذلك اليوم، وهو الهجوم الذي أدى إلى تدمير الجزء الأكبر من سلاح الجو المصري على الأرض، وفتح الطريق أمام الانهيار العسكري السريع في سيناء.
غير أن بعض الشهادات العسكرية المصرية المهمة تكشف أن الحرب بدأت فعليًا قبل الضربة الجوية بوقت ليس بالقصير، عبر هجوم بري إسرائيلي مباغت استهدف أحد المواقع الأمامية المصرية في سيناء، وهو موقع «أم بسيس» على المحور الأوسط.
ومن أهم الشهادات التي تناولت هذه الواقعة شهادة الفريق صلاح الدين الحديدي، قائد المنطقة المركزية خلال حرب يونيو 1967، والذي تحدث عنها بالتفصيل في كتابه الوثائقي «شاهد على حرب 67»، الصادر عن دار الشروق عام 1974.
وقد تولى الفريق صلاح الدين الحديدي، عام 1968، رئاسة المحكمة العسكرية العليا التي حاكمت قادة القوات الجوية المصرية بعد نكسة يونيو 1967، وهو ما يضفي على شهادته أهمية إضافية، باعتباره من الشخصيات التي اطلعت على كثير من التفاصيل العسكرية والسياسية المرتبطة بالحرب وأسباب الهزيمة.
وبحسب شهادة الحديدي، فإن الضربة الإسرائيلية الأولى لم تكن جوية، بل كانت هجومًا بريًا إسرائيليًا مبكرًا استهدف منطقة «أم بسيس» الأمامية على المحور الأوسط في سيناء، وذلك قبل بدء الغارات الجوية الإسرائيلية بنحو سبعين دقيقة كاملة.
ويذكر الحديدي أن طلائع من القوات البرية الإسرائيلية شنت هذا الهجوم المباغت على الموقع المصري، واستطاعت احتلاله بعد تدمير سرية المشاة المصرية التي كانت تتولى الدفاع عنه.
وتكمن خطورة هذه الواقعة ـ وفقًا لتحليل الحديدي ـ في أن ذلك الاشتباك البري كان بمثابة إنذار مبكر يكشف بدء العمليات العسكرية الإسرائيلية، وكان من الممكن، لو جرى التعامل معه بالجدية المطلوبة، أن يدفع القيادة العسكرية المصرية إلى رفع حالة الاستعداد القصوى، وإصدار أوامر عاجلة إلى القوات الجوية المصرية لاتخاذ إجراءات الحماية والتحرك الفوري.
لكن ما حدث ـ بحسب شهادة الحديدي ـ أن القيادة العسكرية المصرية لم تدرك الأبعاد الحقيقية لهذا الهجوم، ولم تتعامل معه باعتباره بداية لحرب شاملة، وهو ما سمح للطيران الإسرائيلي بأن يشن هجومه الكاسح بعد ذلك بوقت قصير، بينما كانت الطائرات المصرية رابضة في المطارات، في أوضاع مكشوفة، ومن دون استعداد قتالي فعّال.
ويؤكد الفريق صلاح الدين الحديدي أن الانتباه المبكر للهجوم البري الإسرائيلي كان من الممكن أن يغير مسار الحرب، أو على الأقل أن يخفف من حجم الكارثة التي لحقت بالقوات المسلحة المصرية في الساعات الأولى من القتال.
وقد خصص الحديدي لتحليل هذه الواقعة فصلًا كاملًا في كتابه بعنوان «الفصل الثاني والعشرون»، تناول فيه بالتفصيل أحداث الهجوم البري الإسرائيلي على «أم بسيس»، وانعكاساته العسكرية، وأثره المحتمل في مجريات الحرب، وذلك على امتداد الصفحات من 179 إلى 183 من كتاب «شاهد على حرب 67».
