عـبد النـاصر والحكيم والوعى الضائع
بقلم: عمرو صابح
كان الأديب الراحل توفيق الحكيم يحلم، كغيره من كبار الأدباء فى القرن العشرين، بالفوز بجائزة نوبل فى الأدب. وقد نصحه بعض أصدقائه الفرنسيين، بحسب ما تردد فى الأوساط الثقافية آنذاك، بأن الطريق إلى الجائزة يمر عبر تقديم خطاب يرضى الدوائر الغربية والصهيونية المؤثرة فى المشهد الثقافى العالمى.
فى عام 1974 نشر توفيق الحكيم كتابه الشهير «عودة الوعى»، الذى شن فيه هجوماً حاداً على الرئيس جمال عبد الناصر، واعتبر أن سياساته أضاعت مصر، واصفاً إياه بالعصبية والانفعالية. بدا الكتاب وقتها صادماً للكثيرين، ليس فقط بسبب مضمونه، بل لأن توفيق الحكيم نفسه كان، طوال عهد عبد الناصر، من أبرز المؤيدين لثورة يوليو ولشخصية عبد الناصر.
كان الحكيم قد احتل مكانة خاصة فى وجدان النظام الناصرى، خاصة بعد أن أعلن جمال عبد الناصر تأثره الكبير برواية «عودة الروح»، التى رأى فيها كثيرون تعبيراً مبكراً عن الحلم القومى والبحث عن البطل القادر على بعث الأمة من جديد. ولم يكن تقدير عبد الناصر للحكيم مجرد إعجاب أدبى، بل تُرجم إلى تكريمات ومواقف عملية. فقد منحه الرئيس قلادة النيل، أرفع أوسمة الدولة، وهى قلادة كانت لا تُمنح عادة إلا للملوك والرؤساء، لكن عبد الناصر حطم البروتوكول ومنحها للحكيم فى 17 ديسمبر 1958 تقديراً لمكانته الأدبية.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك. فقد رفض عبد الناصر الاستجابة لمحاولات إبعاد الحكيم من وظيفته الحكومية، كما خصص له محمد حسنين هيكل مكتباً فخماً فى مؤسسة الأهرام، التى تحولت فى سنوات لاحقة إلى منصة لتيارات عديدة معارضة لثورة يوليو وسياسات عبد الناصر.
لكن الحكيم، بعد رحيل عبد الناصر وصعود السادات، انقلب بصورة حادة على الرجل الذى طالما احتفى به. ولكى يبرر هذا التحول المفاجئ، كتب فى «عودة الوعى» أنه كان طوال سنوات عبد الناصر “غائباً عن الوعى”، ومأخوذاً بدعاية الثورة، قبل أن “يفيق” ــ بحسب تعبيره ــ بعد مرور عشرين عاماً على قيامها.
وقد عرض الحكيم مخطوط الكتاب على الرئيس أنور السادات عام 1972 طالباً موافقته على النشر، لكن السادات طلب منه تأجيل صدوره مؤقتاً. وبعد عامين، وفى 1974، أعطى السادات الضوء الأخضر لنشر الكتاب، فتولى محمد المعلم، صاحب دار الشروق، طباعته وتوزيعه. وكانت دار الشروق قد تحولت فى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضى إلى واحدة من أبرز دور النشر التى احتضنت الكتب المعادية لعبد الناصر وتجربته.
استقبل خصوم عبد الناصر الكتاب بحفاوة كبيرة، وسرعان ما تُرجم إلى الفرنسية والإنجليزية والعبرية، وجرى تقديمه فى بعض الأوساط باعتباره “شهادة من الداخل” على تجربة يوليو. لكن الحقيقة أن الكتاب لم يتضمن وثائق أو معلومات تاريخية جديدة، ولم يقدم قراءة موثقة لعهد عبد الناصر، بل كان أقرب إلى مجموعة من الانطباعات الشخصية والآراء الذاتية التى كتبها الحكيم بعد تغير المناخ السياسى بالكامل.
حقق الحكيم مكاسب مادية واسعة من انتشار الكتاب، لكنه لم يحقق حلمه الأكبر بالفوز بجائزة نوبل.
والمفارقة أن عبد الناصر نفسه كان أحد أهم من وقفوا بجوار الحكيم فى أصعب لحظاته.
فى أواخر الخمسينيات تعرض توفيق الحكيم لحملة نقدية عنيفة قادها الكاتب والناقد أحمد رشدى صالح، الذى نشر على صفحات جريدة الجمهورية سلسلة مقالات أكد فيها أن كتاب «حمار الحكيم»، الصادر عام 1940، مأخوذ عن كتاب «أنا وحمارى» للأديب الإسبانى خوان خيمينيث، كما اتهم الحكيم بالاقتباس الواسع من أعمال أوروبية أخرى.
وفى ذروة تلك الحملة، قرر عبد الناصر منح الحكيم قلادة النيل، فى خطوة بدت وكأنها حماية سياسية وأدبية للرجل، وهو ما أدى عملياً إلى توقف الحملة التى كانت تكشف ما اعتبره خصوم الحكيم “سرقات أدبية”.
كما كان عبد الناصر نفسه هو الذى حمى الحكيم من غضب المشير عبد الحكيم عامر بعد مسرحية «بنك القلق»، التى هاجم فيها الحكيم أجهزة الأمن والمخابرات. فبينما أراد المشير اتخاذ موقف حاد من العمل، تدخل عبد الناصر وأمر بنشر المسرحية فى كتاب عام 1966.
لهذا، فإن «عودة الوعى» لا يمكن اعتباره مرجعاً تاريخياً موضوعياً لتقييم ثورة يوليو أو شخصية جمال عبد الناصر، بقدر ما هو وثيقة تعكس تحولات المناخ السياسى والثقافى فى عصر السادات، وتعبر أيضاً عن تبدلات مواقف بعض النخب التى انتقلت، مع تغير السلطة، من ضفة إلى أخرى.
وربما كانت المفارقة الأشد قسوة أن الكتاب الذى أراد صاحبه أن يدين به عبد الناصر، تحول فى نظر كثيرين إلى إدانة لاختيارات عبد الناصر نفسه، الذى بالغ فى ثقته ببعض الشخصيات، وأغدق عليها التكريم والمكانة، قبل أن تنقلب عليه وعلى مشروعه بعد رحيله بسنوات قليلة

