عـبد النـاصر وفاتن حمامه.
بقلم : عمرو صابح
الصورة لتكريم الرئيس جمال عبد الناصر للفنانة فاتن حمامة عام 1965، ومنحها وسام الجمهورية من الدرجة الأولى في الفنون.
هذا الوسام يُعدّ من أعلى الأوسمة الرسمية التي تُمنح للفنانين في مصر، وقد جاء تقديرًا لمسيرتها الفنية.
مع قيام ثورة 23 يوليو 1952، لم تكن فاتن حمامة على هامش التحوّلات الثورية خلال عهد عبد الناصر، بل كانت جزءًا أصيلًا من المشروع الثقافي للثورة. فقد جاءت أعمالها خلال حكم عبد الناصر متّسقة بوضوح مع الخطاب السياسي والاجتماعي للدولة، وأسهمت في تفكيك صورة العهد الملكي والإقطاعي. ويتضح ذلك من خلال مجموعة من الأفلام:
صراع في الوادي (1954): طرح نقدًا مباشرًا للإقطاع والباشوات.
الله معنا (1955): تناول قضية الأسلحة الفاسدة وحركة الضباط الأحرار، وجسّد عماد حمدي شخصية ضابط ترمز للرئيس عبد الناصر.
دعاء الكروان (1959): علامة فنية فارقة في تاريخ السينما.
الباب المفتوح (1963): دفاع عن التحوّلات الاجتماعية بعد الثورة، خاصة ما يتعلق بوضع المرأة.
لا وقت للحب (1963): إبراز للمقاومة الشعبية خلال العدوان الثلاثي وترسيخ لرمزية عبد الناصر.
الحرام (1965): نقد حاد لأوضاع عمال التراحيل قبل الثورة.
هذه الأعمال، مجتمعة، تضع فاتن حمامة في موقع الشريك الثقافي للنظام، لا في موقع الضحية أو المعارضة.
أما على مستوى علاقتها بالدولة، فقد روجت فاتن حمامة لاحقًا لواقعة محاولة تجنيدها من قبل ضابط مخابرات، باعتبارها بداية الاضطهاد. غير أن ضابط الاتصال لم يكن مجهولًا، بل شقيقها، الضابط منير حمامة. وهو ما يُسقط السردية الدرامية من أساسها، ويعيد تفسير العلاقة باعتبارها تواصلًا طبيعيًا بين فنانة بارزة ومؤسسات الدولة، في سياق كان يشمل عددًا كبيرًا من العاملين في الإعلام والفن.
وفيما يتعلق بسفرها إلى الخارج، فقد قُدّم لاحقًا باعتباره “هروبًا” من النظام. لكن الوقائع تشير إلى دوافع مختلفة، في مقدمتها علاقتها بزوجها الفنان عمر الشريف، الذي كان قد بدأ مسيرته العالمية وارتبط لاحقًا بعلاقات نسائية أخرى. في المقابل، كانت فاتن حمامة تمر بأزمة شخصية ومهنية، تفاقمت مع صعود نجمات جدد مثل سعاد حسني ونادية لطفي ولبنى عبد العزيز، ما أثر على مكانتها الجماهيرية.
سافرت فاتن حمامة إلى أوروبا في محاولة للحاق بعمر الشريف وتجربة العمل هناك، فشاركت في فيلم فرنسي–إيطالي بدور محدود، إلا أن التجربة لم تحقق نجاحًا، بل وُصف أداؤها من قبل مخرج العمل بأنه باهت ونمطي.
لاحقًا، استقرّت في باريس، حيث عاشت ضمن الأوساط العربية الثرية، وكانت لها علاقة وثيقة بالمليونير السعودي غازي شاكر.
أما الركيزة الأساسية في رواية “الهروب”، فهي الادعاء بالخوف من صلاح نصر. غير أن التسلسل الزمني يهدم هذه الرواية بوضوح: دخل صلاح نصر السجن في سبتمبر 1967. لم تعد فاتن حمامة إلى مصر بعد سجنه، بل استمرت في الخارج حتى أكتوبر 1970. عادت مباشرة بعد وفاة الرئيس عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970.
ووفق ما نشرته مجلة روزاليوسف (26 أكتوبر 1970)، فقد توجهت إلى السفارة المصرية في لندن يوم العزاء، ووقفت لساعات لتقديم واجب العزاء بحرية، ثم عادت إلى القاهرة بعد أيام.
هنا يبرز السؤال الحاسم: إذا كان صلاح نصر هو سبب الهروب، فلماذا لم تعد فور سجنه؟ ولماذا انتظرت وفاة عبد الناصر؟ الإجابة المنطقية الوحيدة أن رواية الهروب لا تصمد أمام الوقائع.
كما أن تصوير دور صلاح نصر باعتباره قائمًا على الإكراه المطلق للفنانات يُعدّ تبسيطًا مُخلًا. إذ تشير شهادات، منها ما أورده حلمي السعيد في كتابه «شهادتي للأجيال»، — وهو نفسه كان المكلّف بالتحقيق في قضية انحراف المخابرات — إلى أن علاقات الفنانات مع المخابرات كانت قائمة على تبادل مصالح، لا على الإكراه.
لذا عند ترتيب الوقائع زمنيًا، تتشكل صورة واضحة:
فاتن حمامة لم تكن مطاردة. لم تكن ضحية للنظام. كانت فنانة مُكرّمة وذات نفوذ. شاركت في صياغة الخطاب الثقافي للثورة. ارتبطت بعلاقات طبيعية مع مؤسساتها. سافرت بإجراءات رسمية. عاشت حياة اجتماعية نشطة في الخارج. عادت بعد وفاة الرئيس عبد الناصر، لا بعد سقوط صلاح نصر.
ما جرى لاحقًا يبدو أقرب إلى محاولة من فاتن حمامة لإعادة صياغة سيرتها الذاتية بما يخدم صورة معينة، وهي صورة “الفنانة المظلومة”. وقد نجحت هذه الرواية لسنوات، ليس لقوتها، بل لغياب الفحص النقدي الجاد لها.
عـبد النـاصر وفاتن حمامه.

