
الملف الصحي لعبد الناصر.. عندما توقف قلب الزعيم عن القتال
بقلم: عمرو صابح
هذه الصورة مزيفة بالكامل؛ الرئيس جمال عبد الناصر لم تُلتقط له أي صورة وهو متكئ على عصا، كما أن هذا ليس منزله، والرجال المحيطون به في الصورة ليسوا من رجاله.
ومع ذلك، يتيح لنا انتشار هذه الصورة المزيفة على مواقع التواصل الاجتماعي فرصة للغوص في ملف عبد الناصر الصحي.
كانت الحالة الصحية للرئيس جمال عبد الناصر انعكاسًا مباشرًا لضغوط السلطة، ومراحل القوة والضعف التي عاشها على مدار سنوات حكمه.
منذ يوليو 1958، حين شُخّص بالإصابة بمرض السكر المزمن، بدأ جسده رحلة طويلة من الإرهاق والصراع الصامت مع المرض، رحلة امتدت عبر الانتصارات والهزائم، الصدمات السياسية، والتوترات العسكرية، حتى انتهت بأزمة قلبية قاتلة في 28 سبتمبر 1970.
1958: تشخيص السكر وبداية المعركة
في يوليو 1958، بدأت متاعب عبد الناصر الصحية بعد خمسة أشهر من قيام الوحدة بين مصر وسوريا. خضع عبد الناصر لفحص طبي كشف إصابته بمرض السكر.
كان التشخيص بمثابة جرس إنذار لجسد الزعيم، الذي كان قد اعتاد على ساعات العمل الطويلة والضغوط العصبية المستمرة.
يُعد السكر من النوع الثاني مرضًا مزمنًا يرتبط بعوامل وراثية وسلوكية وضغط عصبي ممتد، ويُعد من أهم أسباب الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
1961: الانفصال — صدمة السياسة والجسد
في 28 سبتمبر 1961، جاء انفصال سوريا عن مصر ليضيف عبئًا جديدًا على الزعيم.
لم تكن الأزمة مجرد فشل سياسي، بل صدمة نفسية وجسدية، زادت من تفاقم مرض السكر، وأصبح المرض رفيقًا صامتًا لعبد الناصر، يتأثر بكل ضغوط السلطة، ويظهر أثره على جسده في كل منعطف سياسي.
كان الانفصال أول ضربة كبرى لمشروع عبد الناصر القومي.
1967: الهزيمة وتفاقم المرض
اندلعت حرب 5 يونيو 1967 بسبب سوريا أيضًا؛ علاقة عبد الناصر بسوريا كانت وبالًا على عبد الناصر سياسيًا وعسكريًا، وأثقلت كاهله بالضغوط النفسية والصراعات المستمرة، مما انعكس مباشرة على صحته وتفاقم إرهاقه الجسدي والعصبي.
انتهت الحرب بالهزيمة العسكرية، وبعدها ازداد توتر عبد الناصر النفسي وبدأ جسده يظهر علامات التدهور بشكل واضح.
فقد بدأت مضاعفات السكر تظهر في شكل إرهاق دائم، مع ثقل الساقين وبرودة القدمين، وبطء في التئام الجروح الصغيرة.
هذه المؤشرات، المعروفة طبيًا باسم الاعتلال الوعائي الطرفي السكري، تشير إلى ضعف الدورة الدموية في الأطراف.
وأصبح القلب أكثر عرضة للضغط، بينما كان الزعيم يواصل نشاطه السياسي دون توقف.
تمثل هزيمة 1967 لحظة فاصلة في تاريخ عبد الناصر، ليس فقط سياسيًا، بل صحيًا، إذ دخلت الدولة المصرية مرحلة إعادة بناء عسكري شاق، قادها عبد الناصر شخصيًا، ما فرض عليه عبئًا بدنيًا ونفسيًا غير مسبوق.
1968: تسخالطوبو — محطة العلاج
في 26 يوليو عام 1968، سافر عبد الناصر للعلاج في مصحة تسخالطوبو في جمهورية جورجيا بالاتحاد السوفيتي.
كانت تسخالطوبو معروفة بالحمامات المعدنية الطبيعية، بدرجات حرارة تتراوح بين 33–35 درجة مئوية، غنية بالمعادن، وتستخدم لتحسين الدورة الدموية ومعالجة الإرهاق المزمن، خصوصًا في الأطراف السفلية.
كان الهدف هو محاولة تحسين صحة الزعيم في مواجهة ضغوط العمل المستمرة.
وتكشف هذه الرحلة العلاجية عن إدراك القيادة المصرية والسوفيتية لحساسية الحالة الصحية لعبد الناصر.
سبتمبر 1969: الأزمة القلبية الأولى
في 11 سبتمبر 1969، بعد حادثة غارة الزعفرانة على ساحل البحر الأحمر، تعرض عبد الناصر لأزمة قلبية.
لم تكن هذه الأزمة مميتة، لكنها أبرزت هشاشة جسده بعد سنوات من الإصابة بالسكر.
طبيًا، كانت الأزمة ناجمة عن تجلّط في الشريان التاجي للقلب، وهي من مضاعفات السكر والإجهاد، حيث يؤثر الضغط النفسي والبدني على وظيفة القلب والأوعية الدموية.
كانت هذه الأزمة بمثابة إنذار خطير لعبد الناصر بأن القلب بدأ يعاني كما تعاني الأطراف، وأن المرض أصبح يفرض نفسه على نشاطه السياسي.
1970: العام الحافل والأزمة القلبية القاتلة
شهد عام 1970 سلسلة من الأحداث السياسية والعسكرية المكثفة:
استمرار حرب الاستنزاف على جبهة سيناء، مع زيارات متكررة للجيش ومتابعة الاشتباكات اليومية.
الانتهاء من بناء حائط الصواريخ وإعداد خطط العبور.
مبادرة روجرز الأميركية ومحاولة فرض تسوية سياسية.
الهجوم الضاري من الأنظمة العربية في الجزائر والعراق ومن منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية ضد عبد الناصر.
أحداث أيلول الأسود في الأردن وما تبعها من انعقاد قمة عربية استثنائية في القاهرة.
وفي 28 سبتمبر 1970، وبعد انتهاء مؤتمر القمة العربية بالقاهرة، مات عبد الناصر نتيجة أزمة قلبية قاتلة.
أظهر التقرير الطبي أن الانسداد الحاد في الشريان التاجي تسبب في فشل قلبي كامل، أدى إلى توقف عضلة القلب عن العمل، وحسب التقرير الرسمي للوفاة انتهت حياة جمال عبد الناصر في الساعة السادسة والربع مساءً عن عمر ناهز 52 عامًا و8 شهور و13 يومًا.
من منظور طبي، الأزمة القلبية في 28 سبتمبر 1970 كانت نتيجة تراكم عوامل عدة على مدار سنوات:
مرض السكر منذ 1958.
ضعف الدورة الدموية الطرفية وتأثيره على الأقدام والساقين.
الضغط العصبي والتوتر النفسي والإرهاق الجسدي المستمر.
تراكم الترسبات في الشرايين.
كل هذه العوامل أدت إلى أزمة قلبية قاتلة، تسببت في وفاة الزعيم.
يؤكد أطباء عبد الناصر أنه لم يكن مصابًا بالسكر البرونزي، وأنه لم يكن من محبي الطعام؛ كان طعامه بسيطًا وكان يظن أن تناول الفيتامينات يعوّضه عن الطعام.
وكان التدخين هو متعته الوحيدة، لكنه اضطر للتوقف عنه في عام 1968 بعد تفاقم متاعبه الصحية.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن وفاة جمال عبد الناصر لم تُغلق ملفه الصحي، بل فتحت بابًا واسعًا للتأويل والشك.
فرغم أن المسار المرضي الطويل، من الإصابة بالسكر إلى الاعتلال الوعائي والأزمات القلبية، يجعل الوفاة نتيجة منطقية طبيًا، فإن سياق عام 1970 السياسي، وتشابك الصراعات الإقليمية والدولية، غذّى فرضيات أخرى ترى أن الرجل لم يمت فقط بسبب مرضه، بل ربما أُنهك أو سُمّم أو أُزيح عمدا في لحظة حاسمة كان يستعد فيها لخوض حرب تحرير سيناء والأراضي التي تم احتلالها خلال حرب 1967.
تستند فرضيات التسميم والاغتيال إلى عدة عناصر:
رفض السادات تشريح جثمان عبدالناصر.
التوترات السياسية الدولية، الصراع العربي–الإسرائيلي، والانقسامات العربية الداخلية.
التشكيك الذي أبداه بعض المسؤولين البارزين في عهد عبد الناصر بشأن ملابسات وفاته.
غير أنّ هذه الفرضيات تظل في إطار التأويل التاريخي غير المؤكد، لغياب الأدلة الطبية الجنائية القاطعة.
لكن بقاء هذه الشكوك في الذاكرة السياسية المصرية والعربية يكشف حقيقة أعمق، وهي أن عبد الناصر لم يكن مجرد رئيس دولة، بل كان مشروعًا سياسيًا وتاريخيًا بحجم أمة، ومشروع بهذا الحجم لا يموت بسهولة في الوعي الجمعي.
لقد تحوّل موته نفسه إلى ساحة صراع محتدم بين الطب والسياسة، والتاريخ والأسطورة.
_______
المراجع
د. منصور فايز، مشواري مع عبد الناصر
د. الصاوي حبيب، كنت طبيبًا لعبد الناصر
د. يفجيني شازوف، مذكرات طبيب الكرملين
جمال سليم، كيف قتلوا عبد الناصر؟
عادل حمودة، عبد الناصر أسرار المرض والاغتيال
محمد حسنين هيكل، حلقات مع هيكل
