عبد الرزاق السنهوري والشرعية الثورية.. من التأسيس إلى الإقصاء .. بقلم: عمرو صابح

لا يُعدّ الدكتور عبد الرزاق السنهوري (1895–1971) مجرد فقيه قانوني بارز، بل هو شخصية فريدة تشكّل وعيها القانوني في تماس مباشر مع التحولات الكبرى التي شهدتها مصر منذ نهاية العهد الملكي وحتى ثورة 23 يوليو 1952.
وُلِد السنهوري في 11 أغسطس 1895 بالإسكندرية، وتلقى تعليمه القانوني في القاهرة، حيث حصل على ليسانس الحقوق من مدرسة الحقوق الخديوية عام 1917، متفوقًا على أقرانه، ورُشّح للعمل في النيابة العامة.
في عام 1921 غادر إلى فرنسا للالتحاق بجامعة ليون، حيث تعمّق في دراسة القانون المدني الفرنسي، فجمع بين المنهج الغربي والوعي الشرعي الإسلامي، وهو ما شكّل الأساس الفكري لمشروعه القانوني الذي سعى من خلاله إلى تحديث البنية التشريعية لمصر دون قطيعة مع واقعها الاجتماعي والثقافي.
وفي عام 1926 قدّم أطروحته الشهيرة بعنوان «الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية»، التي حاول فيها رسم تصور حداثي لوحدة العالم الإسلامي في إطار قانوني–سياسي، بعيدًا عن نموذج الخلافة التقليدية، مستجيبًا لتحولات ما بعد الحرب العالمية الأولى وإلغاء الخلافة العثمانية.
عاد السنهوري إلى مصر في العام ذاته، فعيّن مدرسًا للقانون المدني بكلية الحقوق في الجامعة المصرية، وأضحى من أعمدة التعليم القانوني ومنظّري القانون المدني الحديث، مشاركًا في صياغة التشريعات في مصر وعدد من الدول العربية.
وقد حمل مشروعه الفكري، منذ بداياته، أبعادًا سياسية واضحة، رابطًا بين غياب الإطار الوحدوي الإسلامي والأزمات البنيوية التي كانت تعانيها الدولة الوطنية في العالم الإسلامي، وهو ما سيلعب دورًا لاحقًا في تفسير العلاقة الفكرية غير المباشرة بينه وبعض القوى الفكرية والسياسية، مثل جماعة الإخوان المسلمين.
في 3 مارس 1949 تولّى الدكتور عبد الرزاق السنهوري رئاسة مجلس الدولة المصري، وهو أعلى هيئة للقضاء الإداري في مصر، واستمر في هذا المنصب حتى نهاية أزمة مارس 1954.
وبعد قيام ثورة 23 يوليو 1952، أدرك مجلس قيادة الثورة أهمية الاستعانة بالنخبة القانونية في مجلس الدولة، باعتباره الجهة القادرة على تحويل القرارات الثورية إلى نصوص قانونية واضحة قابلة للتنفيذ، وكان في مقدمتهم السنهوري، إلى جانب المستشار سليمان حافظ، الذي كان يشغل منصب وكيل مجلس الدولة ونائب الرئيس لقسمي الفتوى والتشريع، ما مكّنهم من موقع فاعل في إدارة التحولات القانونية التي أعقبت الثورة مباشرة.
في اللحظة الفاصلة التي أعقبت عزل الملك فاروق في 26 يوليو 1952، لعب السنهوري دورًا محوريًا في توفير الغطاء القانوني لانتقال البلاد من الشرعية الدستورية إلى الشرعية الثورية، وقد تجلّى هذا الدور بوضوح في أولى فتاواه بعد سقوط النظام الملكي.
في أعقاب عزل الملك فاروق وتولي ابنه الطفل أحمد فؤاد الثاني العرش اسميًا، طُرحت مسألة دستورية بالغة الحساسية: هل يجب دعوة البرلمان الوفدي المنحل لإقرار أسماء الأوصياء على الملك الطفل؟
هنا قدّم السنهوري فتواه التي قضت بعدم ضرورة دعوة البرلمان، مستندًا إلى أن النص الدستوري المنظم لهذه الحالة إنما يتناول حالة وفاة الملك لا عزله، ومن ثم فإن الواقعة الجديدة تقع خارج نطاق النص.
ولم يكتفِ السنهوري بهذا التفسير، بل اقترح تعديلًا يمنح مجلس الوزراء سلطة تعيين مجلس الوصاية في حالة عزل الملك، وهو اقتراح لم يكن مجرد رأي قانوني، بل خطوة عملية لإقصاء البرلمان نهائيًا عن المشهد السياسي. وبهذا الاجتهاد، ضاعت إلى الأبد فرصة عودة الحياة البرلمانية التي كانت معطلة منذ حل البرلمان في 24 مارس 1952.
وفي أغسطس 1952، واصل السنهوري أداء دوره في تثبيت البنية القانونية للسلطة الثورية، حين اقترح أن يجمع اللواء محمد نجيب بين قيادة القوات المسلحة، ورئاسة مجلس قيادة الثورة، ورئاسة مجلس الوزراء.
وبهذا الجمع تركزت في يد شخص واحد سلطة السيادة، وسلطة الحكم، وسلطة الرقابة، وسلطة التشريع، في انتهاك لمبدأ الفصل بين السلطات الذي يُعد حجر الزاوية في أي دولة قانون.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ سرعان ما انضمت السلطة القضائية إلى هذا البناء الاستثنائي، بعد أن أنشأ مجلس قيادة الثورة منظومة موازية للقضاء الطبيعي، شملت المحاكم العسكرية العليا، ومحاكم الثورة، ومحاكم الشعب، ومحاكم الغدر.
في 9 سبتمبر 1952، أضحى مجلس الدولة طرفًا أساسيًا في صياغة قانون الإصلاح الزراعي رقم 178 لسنة 1952، إذ تولّى السنهوري وضع الإطار القانوني العام، بينما أشرف سليمان حافظ على أعمال الفتوى والتشريع المرتبطة بالقانون، ما مكّن الدولة من إدارة التحول في ملكية الأراضي وفق رؤية الثورة.
ومع إلغاء دستور 1923، ساهم السنهوري مباشرة في إصدار الإعلان الدستوري الانتقالي في ديسمبر 1952، وهو الإعلان الذي حدد الإطار القانوني المؤقت للحكم قبل صياغة دستور دائم.
كما لعب دورًا محوريًا في لجنة الخمسين التي تشكّلت في 16 يناير 1953 لصياغة دستور جديد للبلاد، وهو الدستور الذي أصبح لاحقًا معروفًا باسم دستور 1954.
إلا أن مجلس قيادة الثورة رفض هذا الدستور، معتبرًا أن بعض نصوصه تعيد تشكيل الحياة السياسية للنظام السابق ولا تتوافق بالكامل مع طبيعة الثورة وأهدافها في إعادة بناء الدولة على أسس جديدة.
في خضم أزمة مارس 1954 تبنّى السنهوري تصورًا سياسيًا واضحًا يقوم على دمج جماعة الإخوان المسلمين داخل نظام الحكم، وقد وضعه هذا التصور عمليًا في موقع أقرب إلى الجناح الذي مثّله محمد نجيب داخل السلطة، في مقابل المسار الذي كان جمال عبد الناصر يعمل على ترسيخه، والقائم على بناء نظام جديد.
ويذكر سليمان حافظ، في مذكراته، أن السنهوري كان ينظر إلى تصاعد الصراع خلال أزمة مارس بوصفه خطرًا يهدد كيان الدولة ذاته، لا مجرد خلاف سياسي داخل السلطة.
ومن هذا المنطلق تبنّى منطق «التسوية السياسية»، وهو منطق شمل جماعة الإخوان المسلمين، التي لم تكن قد أُخرجت بعد من معادلة الحكم، وكانت لا تزال تُعامل بوصفها فاعلًا سياسيًا يمكن إدماجه في النظام القائم.
وفي هذا الإطار، لم تكن قنوات الاتصال المفتوحة بين السنهوري وبعض قيادات الإخوان تحركات فردية أو اجتهادات عارضة، بل جزءًا من تصور متكامل لمشاركة الإخوان في الحكم.
وقد نقل الدكتور أحمد زكي، أول رئيس تحرير لمجلة «العربي» الكويتية، في حديثه لجريدة «الأخبار» بتاريخ 8 سبتمبر 1975، أن واقعة الاعتداء على السنهوري جاءت عقب لقاء جمعه بقيادات من الإخوان المسلمين في منزل أحمد زكي نفسه.
ويؤكد ذلك ما أورده أحمد فوزي في كتابه «ستة رجال فكر وقانون»، حين ذكر أن لقاءً عُقد يوم 26 مارس 1954 بين السنهوري وعبد الحكيم عابدين، أحد أبرز قيادات الإخوان المسلمين، في منزل الدكتور أحمد زكي، وأن السنهوري طرح خلاله صراحة فكرة مشاركة الجماعة في الحكم. وبالطبع، لم تكن هذه اللقاءات بعيدة عن علم جمال عبد الناصر.
غير أن عبد الناصر، وقد حسم خياره السياسي، لم يعد ينظر إلى فكرة دمج الإخوان في الحكم إلا باعتبارها خطرًا مباشرًا على مشروع السلطة الذي كان يعمل على تركيزه في يديه، كما لم يعد يرى في الجناح المرتبط بمحمد نجيب سوى عائق سياسي يجب تجاوزه، وإلا تم إجهاض الثورة.
لذا فإن ما جرى بين عبد الناصر والسنهوري لا يمكن فهمه باعتباره خلافًا قانونيًا أو صدامًا شخصيًا، بل بوصفه تعبيرًا عن صراع سياسي عميق حول طبيعة النظام الجديد، وهو صراع كان السنهوري طرفًا فيه، بحكم موقعه وخياراته، لا مجرد شاهد عليه.
في 29 مارس 1954، اقتحم متظاهرون موالون لعبد الناصر مقر مجلس الدولة، وتعرّض عبد الرزاق السنهوري لاعتداء جسدي عنيف داخل مكتبه، في واقعة لم تكن منفصلة عن سياقها السياسي.
فقد كان مجلس الدولة، خلال أزمة مارس، في صدارة الصراع حول الشرعية، بوصفه المؤسسة القانونية التي دافعت عن إنهاء الحكم الثوري والعودة إلى الحياة الدستورية، وجاء الاعتداء تعبيرًا عن حدة الصراع بين السلطة الثورية وقوى النظام القديم التي أرادت القضاء على الثورة.
تشير شهادة السنهوري أمام النيابة إلى أن الاعتداء لم يكن عشوائيًا، بل جرى تسهيله من خلال ضباط تابعين لعبد الناصر، حيث طُلب منه فتح أبواب المجلس لمتظاهرين جرى توجيههم إلى موقع وجوده. نُقل السنهوري إلى المستشفى، وأُقصي فعليًا من منصبه في اليوم نفسه، ثم عُزل رسميًا من رئاسة مجلس الدولة.
وقد رفض استقبال جمال عبد الناصر عندما زاره في المستشفى بعد الاعتداء، في إشارة صريحة إلى القطيعة السياسية والشخصية بينهما. ومنذ تلك اللحظة، فُرضت على السنهوري عزلة قسرية، وحُرم من أي دور مؤسسي داخل الدولة المصرية، ولم يعد إلى المشهد العام إلا في إطار استشاري محدود خارج مصر، كما حدث لاحقًا في مشاركته بوضع الدستور الكويتي.
لا تُقدّم الوثائق التاريخية دليلًا على انتماء عبد الرزاق السنهوري تنظيميًا إلى جماعة الإخوان المسلمين.
غير أن فهم طبيعة الصلة غير المباشرة بين السنهوري والجماعة يقتضي التوقف عند شخصية الدكتور توفيق الشاوي (1918–2003)، بوصفه حلقة الوصل الأهم في هذا السياق.
فالشاوي لم يكن مجرد صهر للسنهوري بزواجه من ابنته نادية، بل مثّل أحد أبرز العقول القانونية داخل جماعة الإخوان المسلمين وأكثرها تأثيرًا.
نشأ الشاوي في بيئة دينية محافظة، وحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، قبل أن يلتحق بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، حيث اقترب مبكرًا من جماعة الإخوان المسلمين، وارتبط بها فكريًا وتنظيميًا عبر صلة وثيقة بمؤسس الجماعة حسن البنا، الذي رأى فيه نموذجًا للمثقف القانوني القادر على صوغ أفكار الجماعة بلغة قانونية حديثة تستوعب مقتضيات العصر.
ومع قيام رابطة المصاهرة بين الشاوي والسنهوري، تحوّلت العلاقة العائلية إلى قناة تفاعل فكري وسياسي مستمر، أتاحت للشاوي الاطلاع على أوراق السنهوري ومشروعاته الفكرية، لا سيما في مرحلة ما بعد 1954، حين جرى إقصاء السنهوري عن المجال العام، لتغدو تلك الصلة أحد المفاتيح الأساسية لفهم تداخل العائلي بالفكري والسياسي في تلك اللحظة المفصلية من التاريخ المصري.
لعب توفيق الشاوي دورًا مهمًا في جمع ونشر أوراق السنهوري، والمشاركة في مراجعة وتقديم أعماله، لا سيما كتاب «الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية».
ورغم أن النصوص تعود للسنهوري، فإن إعادة نشرها في سياق سياسي جديد منحتها دلالات إضافية، وجعلتها تُقرأ داخل الأوساط الإخوانية بوصفها سندًا فقهيًا لمشروعهم السياسي ورؤاهم عن الشرعية والدستور والدولة الإسلامية.
في ستينيات القرن العشرين، نشأت علاقة لافتة بين توفيق الشاوي والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، علاقة بدت للوهلة الأولى متناقضة؛ فبورقيبة كان رمزًا لعلمانية صارمة دخلت في صدام فكري مباشر مع التيارات الإسلامية في تونس، بينما كان الشاوي منتميًا لجماعة الإخوان المسلمين وعضوًا فاعلًا فيها.
غير أن هذا التناقض الأيديولوجي لم يكن عائقًا حقيقيًا أمام التقارب، لأن الرابط بينهما لم يكن فكريًا في الأساس، بل سياسيًا محضًا.
كان الشاوي خصمًا صريحًا للنظام الناصري، وفي التوقيت ذاته كان جمال عبد الناصر الخصم الإقليمي الأبرز لبورقيبة.
عند هذه النقطة تحديدًا تلاقت المصالح، وتأسست العلاقة على قاعدة الخصومة المشتركة مع عبد الناصر، لا على أي انسجام فكري أو رؤية مشتركة حول الدين أو الدولة.
السياسة، مرة أخرى، كانت أقدر من الأيديولوجيا على بناء الجسور.
بلغ هذا الدور ذروته مع قضية تنظيم سيد قطب عام 1965، حين تحرّك توفيق الشاوي من خارج مصر ساعيًا إلى تدويل القضية.
وفي هذا السياق، سافر إلى تونس برفقة زوجته نادية عبد الرزاق السنهوري، والتقى بالحبيب بورقيبة، محاولًا إعادة تأطير القضية خارج منطق الأمن والقمع، وتقديمها بوصفها قضية فكر وحقوق إنسان، تمس حرية الرأي والاجتهاد، لا مجرد ملف أمني داخلي.
ورغم أن هذه الجهود لم تنجح في إنقاذ سيد قطب من مصيره، فإنها كشفت عن الموقع الذي شغله الشاوي كوسيط قانوني–سياسي عابر للحدود.
منذ الأيام الأولى بعد 23 يوليو، كان عبد الرزاق السنهوري جزءًا من بنية السلطة الجديدة، لا خصمًا لها، وأسهم في إضفاء الشرعية القانونية على المرحلة الانتقالية وصياغة قراراتها.
غير أن هذا التوافق لم يدم طويلًا، إذ سرعان ما ظهر داخل الحكم مساران متعارضان، مسار قاده جمال عبد الناصر هدفه هدم بنية النظام القديم وبناء نظام ثوري جديد، ومسار ارتبط بمحمد نجيب راهن على إصلاح النظام القائم وترميمه بدلًا من هدمه.
ومع أزمة مارس 1954، انتقل السنهوري من موقع الفقيه المساند للسلطة إلى قلب صراع سياسي حول طبيعة الدولة التي تتشكل. لم يكن الخلاف قانونيًا في جوهره، بل صراعًا بين منطق الثورة ومنطق الإصلاح.
وفي هذا المفترق، اختار السنهوري المسار الخاسر، فكان الإقصاء مصيره، ليغدو مساره الشخصي مرآة كاشفة لتعقّد العلاقة بين القانون والسياسة في مصر ما بعد ثورة يوليو.
