كلمة البكباشى جمال عبد الناصر فى هيئة التحرير فى شبين الكوم منوفية 23 فبراير 1953

كلمة البكباشى جمال عبد الناصر فى هيئة التحرير فى شبين الكوم منوفية 23 فبراير 1953

السلام عليكم ورحمة الله..

أيها المواطنون:

حملنى قائدنا اللواء محمد نجيب تحياته إليكم، وكان بوده أن يشارككم فى هذا اليوم الوطنى الرائع، ولكنه كلفنى أن أبلغكم حرصه على زيارتكم قريباً بإذن الله.

بنى وطنى:

فى هذا اليوم الذى تجلى أروع ما تكون الأيام سمواً وإخلاصاً، وفى هذا الاجتماع الوطنى الخالد الزاخر بأنبل العواطف الطاهرة العميقة، والأرواح المتحدة المتماسكة القوية؛ أبتهل إلى الله بالشكر والحمد، فقد أضفى على مصر من نعمته ما رد إليها كرامتها، وأبقى عليها عزتها، وأخرجها من الظلمات إلى النور. فى هذا الاجتماع الذى جمع أبناء المنوفية الأمجاد، وأنا أنظر إلى هذه الوجوه التى تمثلت وطنية ونبلاً؛ أرى لزاماً على أن أربط ماضينا بحاضرنا؛ حتى نستخلص من دروس الماضى عبرة للمستقبل، فلتملأ الثقة قلوبكم فى أمتكم بقدر ما أرهبكم الطغاة وأخافوكم، وبقدر ما سلبوكم الأمن والطمأنينة، وحرموكم الرزق والأمل فى النجاة.

نعم، فلنثق فى أنفسنا وفى أمتنا، فإن مصر فى حالتى القوة والضعف أمة حرة، يجتمع عليها أعداؤها من كل جانب، ومع ذلك لا تخفض رأسها، ولا تكف عن دفع الأذى عن حياضها؛ فلقد تآمرت قوى الشر منذ القدم على العبث بكيان هذا الوطن وحضارته الخالدة.

وقد أتى على بلادنا حين من الدهر وهى ترسف فى أغلال العبودية، وجثم على صدرها استعمار الخليفة العثمانى الذى سلمها بدوره للاستعمار البريطانى؛ حيث طوقت بذارعين من حديد: الظلم الاجتماعى والاستبداد السياسى، وكنا كلما حاولنا أن نرفع عقيرتنا، ضغط علينا الإقطاع والاستبداد؛ فتتحشرج أنفاسنا وتتحول الصيحة إلى شهقة مكتومة.

كان الظلم الاجتماعى يتجسم فى كابوس الإقطاع البغيض؛ فقد ورثنا طبقة من الحكام والأشراف ترفعوا عن الشعب، وراحوا يستمتعون بنفوذهم وأموالهم، وانقسمت البلاد إلى فئتين كل منهما تكره الأخرى، وهما من طينة واحدة: معسكر العبيد، وطائفة الأسياد.

ورأينا الاستبداد السياسى يتجسم فى ماردين هدامين:

الاحتلال الأحنبى البغيض، والتاج المستهتر العربيد، وبين هذا وذاك استغل النفوذ، واستبيحت الحرمات، وأثرى من أثرى على حساب الضعفاء والمظلومين، وعمت الرشوة، ومن كل مكان جاءت أصوات الشعب المغلوب على أمره بالشكوى ولا من مجيب.

فهل كان من الممكن أن تظل الأوضاع على هذه الحال؟ كلا.. لقد كان التطور يقودنا سراعاً إلى اليوم الموعود، وينسج من محاولاتنا خطة ناجحة وعملاً حاسماً.. وهكذا هبت رياح الحرية.

ففى ١١ يوليو سنة ١٨٨٢ ضربت الإسكندرية الوادعة بمدافع العدوان البريطانى؛ ثم كان الاحتلال البغيض، واشتعلت مصر ثائرة، وخرج الجندى الفلاح أحمد عرابى على رأس ثواره الأحرار من الضباط والجنود؛ ليرد هذا العدوان الطاغى، ولكن الثورة لم تحقق أهدافها، واكتفت بأن سجلت مولدها.

لقد حددت الثورة أهدافها منذ اليوم الأول لمولدها: لابد من تحرير مصر، لابد من جلاء قوات الاحتلال.

كانت الثورة تنمو كانت هذه الأهداف تزداد عمقاً ورسوخاً، فما أقبلت سنة ١٩١٩ حتى هبت الثورة مرة أخرى تطالب بتحقيق أهدافها، ولم تقف الثورة أمام رصاص المستعمرين، ولا أمام رصاص أذنابهم من رخاص المصريين، ولكنها مضت قدماً لا تبالى بالخديعة والدس.

وإذا الثورة التى ولدت لجلاء المستعمرين عن أرض الوطن؛ ترضى بدستور ١٩٢٣ بديلاً عن أهدافها الكبرى.

وثارت الثورة على نفسها، واكتفت بأن تنظر حولها وهى تسخر ممن استغلوها، وأخذوا يتجرون بها، ويتلاعبون باسمها.. كان كل من يريد أن يكسب لنفسه مركزاً يباهى بأنه ابن الثورة وصانعها ومحركها. وأصبحت الجماهير ضحية هذه المزايدات الوطنية، وهذا اللون الجديد من ألوان الاستغلال السياسى، والاتجار باسم الثورة.. واستمرت فصول المأساة، وبدا واضحاً أن البلاد انقسمت إلى طبقتين:

طبقة الحاكمين، وطبقة المحكومين، أما الطبقة الحاكمة فقد تكاتفت برئاسة فاروق، وأخذت تحمى نفسها من الشعب بكل الوسائل، وأما الشعب فقد بدأ يتنبه إلى هذا الفساد، وبدأ يحس أن القوم يدبرون له أمراً خطيراً.

وكان الجيش فى هذه الأثناء يتفاعل مع الشعب؛ فكلما غلى المرجل فى نفوس الشعب، غلى بدوره بين ظباطه وجنوده لأن الجيش من الشعب وللشعب. وكان يعز على رجال الجيش – وهم من الشعب – أن يسود فى أوهام الحكام أنهم إحدى وسائل إخماد أفكار الشعب التحريرية، وأن يتسرب هذا الوهم من أذهان الحاكمين إلى أذهان الشعب الثائر، ولكنهم آثروا الانتظار حتى تحين الفرصة المناسبة، فيضربوا ضربتهم القاضية، وجاء يوم ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢، وهب جيش مصر يسنده الشعب ليضرب ضربته.

ولكن هل كان هدف الثورة هو التخلص من فاروق؟ إنه هدف تصغر أمامه فكرة الثورة؛ فإن الثورة كانت تهدف إلى تغيير النظام لمصلحة الشعب، كان لابد من حماية الثورة حتى لا تنحرف أو تقصر عن بلوغ غايتها، وكان لابد من منع استغلال طبقة الحاكمين المتجرين بأسماء الثورات من أن تتاح لهم فرصة أخرى لهذا الاستغلال، وكان لابد من سن صك تحرير العبيد من الذين سادوهم.

أيها المواطنون:

إن الحرية حق، وإن استحقاقنا للحرية لا يتقرر بما أخذناه منها؛ بل بحرصنا على ما لم ننله بعد. إن الشعوب التى تساوم المستعمر على حريتها توقع فى نفس الوقت وثيقة عبوديتها؛ ولذلك فإن أول أهدافنا هو الجلاء بدون قيد ولا شرط. إننا نعلنها عالية مدوية: يجب أن يحمل الاحتلال عصاه على كاهله ويرحل، أو يقاتل حتى الموت دفاعاً عن وجوده.

أيها المواطنون:

نحن لا نحمل للعالم كافة إلا المودة والإخاء، والشعور بآلام الحاضر والأمل فى المستقبل، ولكننا ننظر إلى الدول ونرقب سلوكها معنا، فمن كان أقرب لمصالحنا وأكثر استعداداً لمعاونتنا شددنا على يديه بأيدينا، ومن تجاهل حقوقنا ومصالحنا المقدسة فلن يكون له منا إلا الحرب فى كل ميدان.

أيها المواطنون:

لقد رأيتم كيف زيف الاستعمار ديمقراطيتنا فكانت مسخاً وتمويهاً، وكيف حارب محاولتنا لإقامة حياة دستورية؛ فرأينا سلسلة من المهازل تمثل باسم الدستور، ونسى الجميع أو تناسوا أن كل سلطة مصدرها الشعب وحده، وأنه لا يحق لقوم مهما كانت مقاديرهم أن يتحكموا فى مصير شعب إلا برضاء أبنائه.

أيها المواطنون:

إننى أعلن أن ما نزل بالمجتمع المصرى من المصائب والشقاء وفساد الحكومات؛ إنما يرجع إلى سبب واحد؛ هو جهل كل فرد بحقوقه وتجاهلها، وتناسى كل فرد لواجباته وإهمالها.

لقد قامت هيئة التحرير لتؤكد المعنى المقدس؛ وهو أن الناس قد ولدوا أحراراً ليعيشوا أحراراً متساوين فى الحقوق، لا تمييز بينهم، ولا فضل لأحد على أخيه إلا بما يقدمه للوطن وللمجموع. لقد قامت هيئة التحرير لتغرس فى النفوس أن الناس جميعاً قد خلقوا متساوين، وأن الخالق سبحانه وتعالى قد منحهم حقوقاً لا تنتزع، ولتأمين هذه الحقوق تتكون من الناس حكومة تستمد سلطانها العادل من رضا الشعب المحكوم.

أيها المواطنون:

إن جوع الجماهير وعريها، إن ذخائر أراضينا وإمكانياتها، إن دواعى الحياة ومقتضياتها؛ كل هذه تهيب بنا وتدعونا لأن ننهض كما نهض غيرنا، وأن نشيد نهضتنا على أسس سليمة، إننا لا نبغى فقط نهضة عمرانية أو صناعية أو عسكرية؛ ولكننا نبغى نهضة بشرية.

أيها المواطنون:

لقد قامت هذه الثورة على أكتاف قوم آمنوا أول ما آمنوا بالمحبة، والمودة؛ فهى ثورة إنسانية لم تقم على الكراهية والعدوان، وإننا لنطالب الشعب فى شخصكم أن يطرح كل عوامل الحقد والكراهية؛ فنحن نكافح الآن من أجل حريتنا ومقوماتنا؛ وبذلك لن تستطيع قوة بالغة ما بلغت أن تقف فى طريقنا.

يجب ألا نسمح بأن يكون المستقبل صورة لما كان عليه الماضى، فواجبنا أن نقاوم عوامل الشر فى مجتمعنا ونفوسنا. علينا أن نطهر نفوسنا من خبائث عهد الاحتلال البغيض؛ فلن تكون وشاية ولا نميمة بعد اليوم، ولن تتفاعل عوامل الحقد فى كياننا. يجب أن يعرف كل فرد حقوقه الطبيعية المقدسة التى يجب ألا تمتد إليها يد المساومة والعبث، لقد كنا خاضعين للدكتاتورية البرلمانية والدكتاتورية الانتخابية، وأهملنا فى المحافظة على حقوقنا الدستورية؛ فاستغل غفلتنا حفنة من الناس حولوا مصالح الدولة إلى مصالح خاصة. فعلينا أن نتعلم كيف نختار من يمثلوننا، وأن نتعلم فى نفس الوقت أنه واجب مقدس أن نسحب ثقتنا ممن يعجزون عن تمثيلنا.

أيها المواطون:

علينا أن نكافح نفوسنا، فبقدر قوتها ستكون عظمة الوطن.. لتكن كل أسرة منكم مجتمعاً فاضلاً؛ تنيره الأخلاق المتينة والحكمة السديدة.. ليحترم صغيرنا كبيرنا، وليحنوا غنينا على فقيرنا، وليساعد قوينا ضعيفنا، ولنتجه جميعاً إلى الله؛ فمنه نستلهم القوة لنصرة حقنا.

أيها المواطنون:

إن الأمة المغلوبة على أمرها حينما تحس بنسيم الحرية تنقلب من فورها إلى مارد لا يقهر، وقد هبت رياح الحرية، وإن وقفة جريئة تقفها البلاد ستحقق أهداف الثورة؛ فلابد من تحرير مصر، ولابد من جلاء قوات الاحتلال.

والسلام عليكم ورحمة الله.

Scroll to Top