قناة Nasser TV.. عبد الناصر يعيد سرد تاريخ مصر بصوته.
بقلم: عمرو صابح
لم يكن صوت عبد الناصر هذه المرة مجرد تسجيل قديم يُبث على شاشة، بل كان أشبه بصدمة أيقظت من توهّموا أنهم يعرفون تاريخه. حين بثّت قناة Nasser TV تسجيلات صوتية نادرة للزعيم ، وجد الناس أنفسهم أمام التاريخ بلسان صانعه، بلا وسيط ولا تأويل.
هذه التسجيلات لم تكن سرًا جديدًا، فهي متاحة منذ سنوات طويلة على الموقع الرسمي لعبد الناصر التابع لمكتبة الإسكندرية، كما وثّقتها ابنته الدكتورة هدى عبد الناصر في كتبها، وسجّلها الكاتب الصحفي مصطفى بكري في موسوعة “ناصر 67 هزيمة الهزيمة”.
هذه التسجيلات كشفت أن كثيرًا من محبي عبد الناصر وكارهيه على السواء لم يسعوا يومًا إلى قراءة تاريخه كما هو، بل اكتفوا بالانطباعات الموروثة أو الروايات المبتسرة. لذلك كانت مفاجأتهم كبيرة حين سمعوا صوت عبد الناصر، وهو يتحدث عن رؤيته للحل السلمي، وعن حقيقة علاقته بالحكام العرب.
لم يرفض عبد الناصر يومًا مبدأ الحل السلمي، بل وضع له شروطًا واضحة وصارمة: أن يكون شاملًا على جميع الجبهات، وألا يُجرِّد مصر من دورها القيادي في محيطها العربي، وأن يتضمن حلًّا عادلًا لمشكلة اللاجئين، وتحديدًا واضحًا لخريطة دولة إسرائيل.
وقد عرض عليه الأمريكيون منذ بدايات حكمه مشاريع متعددة للسلام، لكنه رفضها جميعًا لأنها لم تتضمن هذه الشروط الجوهرية.
وبعد حرب 1967 كان قلقه الأكبر من تهويد الضفة الغربية والقدس، ومن سياسات الاستيطان الإسرائيلي التي رآها محاولة لابتلاع الأرض العربية وفرض أمر واقع دائم.
لم يقبل عبد الناصر التنازل عن شبر من الأرض العربية، فكما تمسّك بعودة سيناء، كان يعتبر الجولان السوري جزءًا من معادلة الصراع لا يمكن القفز عليه أو التنازل عنه.
لذا من المضحك أن يخرج البعض ليفسر تسجيلات عبد الناصر بأنها إقرار ضمني بصواب طريق السادات، وكأن ما فعله السادات لم يكن إلا تنفيذًا متأخرًا لأفكار عبد الناصر!
والحقيقة أن الفارق بين الرجلين شاسع: فسيناء كانت معروضة على عبد الناصر بعد هزيمة 1967 أكثر من مرة دون حرب، لكنه رفض كل العروض لأنها لم تتضمن الانسحاب الشامل من جميع الأراضي المحتلة ” سيناء والقدس والضفة الغربية وهضبةالجولان”، ولا حل مشكلة اللاجئين. بينما السادات بعد نصر أكتوبر اختار أن يدخل في مفاوضات منفردة مع إسرائيل، فعقد سلامًا خاصًا بمصر وحدها، أعاد سيناء بالفعل، لكنه في المقابل أخرج مصر من معادلة الصراع العربي–الإسرائيلي، وفتح الباب لعزلها عن قضايا الأمة، وهو ما أدى في النهاية إلى تهميش دورها الإقليمي وتقييد مكانتها الطبيعية كقلب العالم العربي وقائد حركته.
أما عبد الناصر، فحتى وهو يقبل بمبادرات جزئية أو تكتيكية، كان يراها مجرد وسائل على طريق استعادة الأرض والكرامة في معركة شاملة، لا صفقة تخص مصر وحدها.
https://www.youtube.com/@Nasser.Television
ويكفي أن نتأمل مبادرة روجرز عام 1970، التي قَبِل بها عبد الناصر ليس اقتناعًا بالطرح الأمريكي، بل كتكتيك عسكري يمنح جيشه فرصة استكمال بناء حائط الصواريخ حتى حافة قناة السويس، ليتمكّن الجيش المصري من العبور في حماية مظلة صاروخية رادعة لسلاح الجو الإسرائيلي.
كانت تلك خطوة محسوبة في طريق الإعداد للمواجهة المقبلة، لا خروجًا من معركة ولا تخلّيًا عن قضية.
علاقة عبد الناصر بالحكام العرب، كانت متوترة منذ أواخر الخمسينيات وحتى رحيله، إذ رآه الملوك والرؤساء على السواء خطرًا يهدد عروشهم، وضايقتهم قدرته على مخاطبة شعوبهم من فوق رؤوسهم وشعبيته الجارفة.
كانت أنظمة بومدين في الجزائر، وبعث العراق بقيادة أحمد حسن البكر وصدام حسين، وبعث سوريا، تتطلّع إلى وراثة دور عبد الناصر ومصر في قيادة العالم العربي، وتتمنّى وفاته ليخلو لها المسرح. وبعد أن مات، ذرفوا عليه دموع التماسيح، لكنهم فشلوا في أن يرثوا مكانته أو يحلّوا محله.
لقد كان عبد الناصر مصريًّا وطنيًّا حتى النخاع، هدفه أن تكون مصر القوة العظمى في إقليمها، وأن تمتد بدورها المحوري عبر إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية.
ورفض سلامًا يُقزِّم مصر أو يحوّلها إلى دولة هامشية داخل مجالها الحيوي.
وعلى من صُدموا من صوت عبد الناصر أن يتذكروا أن الزعيم ليس مسؤولًا عن جهل محبيه ولا عن حقد كارهيه.
ومن الجدير بالذكر أن هناك منابر إعلامية مشبوهة عمدت إلى اجتزاء مقاطع من تسجيلات عبد الناصر، محرفة المعنى الأصلي، ومزيفة التاريخ بحسب أهوائها. وقد جاء هذا التلاعب لخدمة سياسات وتوجهات الأنظمة التي تمولها، بغرض تشويه صورة الزعيم، وتقديم رواية منحازة تعكس مصالحها، بعيدًا عن الحقيقة التي يرويها عبد الناصر بنفسه.
في عام 2018 أنشأ عبد الحكيم جمال عبد الناصر قناة Nasser TV خصيصًا لنشر تراث الرئيس جمال عبد الناصر المرئي والمسموع، وهي اليوم تقوم بدور هام في إعادة كتابة تاريخ مصر بلسان عبد الناصر نفسه.
ومن لا يريد أن يسمع الحق من صاحبه، فلا حق له أن يتحدث عنه.
قناة Nasser TV.. عبد الناصر يعيد سرد تاريخ مصر بصوته.

